من الصعب علي أن أصدق أن "الإخوان المسلمين" يؤمنون بشيء اسمه ديمقراطية، ودعواهم للإصلاح السياسي لا مصداقية لها، وتاريخهم وكافة أساليبهم وسياساتهم تؤكد أنهم ليس لديهم أي استعداد للالتزام بالديمقراطية بعد وصولهم للسلطة، وأنا أتحدث هنا عن جماعات وتنظيمات الإخوان المسلمين بشكل عام وحيثما كانوا، وليس عن بلد بعينه، ونموذج الإخوان في مصر وما يفعلونه ويستخدمونه من أساليب الاستحواذ على السلطة وإقصاء كل من ليس منهم يؤكد هذه الحقيقة بجلاء ووضوح تام.

وذلك ليس فقط باستحواذهم على كافة المراكز والمناصب الفعالة في الدولة، ولكن أيضا بتعمدهم الواضح والفج إقصاء كافة رموز التيارات والاتجاهات الأخرى، وهذا الوضع قد يمكن قبوله في ظل نظام حكم قائم منذ سنوات طويلة، لكن أن يحدث هذا من نظام أتى على أثر ثورة شعبية كبيرة لم يكن هو محركها ولا قائدها ولا حتى مشارك فيها في أيامها الأولى، بل أتى مثل غيره من تيارات وأحزاب وقوى سياسية أخرى ليركب موجة الثورة، فهذا هو الغريب والشاذ.

إذا كنا لم نعترض على وصول الإخوان للسلطة في مصر بأساليب ملتوية وبتوازن قوى معوج وضع الخيار بين أفضل السيئين، فذلك لأن الثورة الشعبية لم تفرز قياداتها، والقوى السياسية الأخرى لم تكن مستعدة ولا منظمة، مثل جماعة الإخوان المسلمين، للوصول للسلطة، لكن الشيء الهام والمحوري هنا أنه إذا كان الإخوان قد صعدوا للسلطة عن طريق صناديق الانتخاب.

فيجب أن لا ننسى أن هذه الصناديق لم تعطهم إجماعا ولا أغلبية ساحقة، بل فازوا بفارق ضئيل للغاية كان مشكوكا فيه إلى حد كبير، ولم يتجاوزوا ربع أصوات الناخبين، وهذه هي الديمقراطية بعيوبها ومميزاتها.

لكن هذا الوضع كان من المفترض أن يفرض على الإخوان أن يشركوا معهم في الحكم الآخرين، أو على الأقل يستدعوا قادة التيارات والقوى الأخرى للمشاركة في تأسيس الدولة الجديدة، خاصة وأنها أول تجربة لهم في الحكم في تاريخهم، لكنهم لم يفعلوا ذلك، واستبعدوا الجميع، وذهبوا ليضعوا أنفسهم في كافة المناصب والمراكز المتحكمة في صنع القرار في الدولة، والآن هم يخشون الديمقراطية بعد أن تراجعت شعبيتهم بشكل حاد.

ولهذا يطيلون أمد غياب السلطة التشريعية والبرلمان حتى يستكملوا الاستحواذ على كافة المواقع التي ربما تساعدهم في الحصول على الأغلبية البرلمانية التي بات الأمل فيها ضعيفا، وهم يعلمون أنهم لا يستطيعون البقاء ولا العمل مع برلمان تسيطر عليه أغلبية ليست منهم.

هذه الأساليب تؤكد أن الإخوان في مصر لا ينوون الخروج من السلطة، لا بالديمقراطية ولا بالصناديق، بل سيتمسكون بالسلطة بكافة الأساليب الغير شرعية حتى لو اضطروا لاستخدام القوة والعنف، ويبدو أنهم يعدون العدة لذلك من الآن.

الإخوان يتحدثون، وهم في موقع المعارضة، عن الديمقراطية والإصلاح السياسي، لكنهم يضربون بهذه الديمقراطية عرض الحائط وهم في السلطة، ذلك لأنهم لا يبنون دولة، بل ينفذون أجندات خاصة بهم وبمن يدعمهم من جهات خارجية توجههم لخدمة مصالحها، وهذه الجهات بارعة في خلق الفوضى والخراب ولا تعير مصالح الشعوب أي اهتمام.