لا يختلف اثنان على انحطاط وتفاهة الفيلم المسيء للإسلام، والذي أشعل أزمة لم تنطفئ بعد، ولا يبدو أنها ستنطفئ قريباً، لكن الأسوأ من الفيلم في اعتقادي، هو تداعيات هذه الأزمة، خاصة بعد الاعتداءات على السفارات ومقتل السفير والدبلوماسيين الأميركيين، وهو الحدث المؤسف بكل المقاييس وغير المقبول لا دولياً ولا إسلامياً، ولكن التداعيات المؤسفة لم تتوقف عند هذا الحادث، بل استمرت بصورة واضحة في ردود الفعل.
ولا أقصد هنا ردود الفعل في الشارع الإسلامي والغضب الشديد لإهانة الرسول عليه الصلاة والسلام، بل أقصد ردود الفعل الرسمية والإعلامية التي لم تأت على مستوى الأحداث، والتي، في رأينا، لم تحترم مشاعر الشارع الإسلامي الغاضب، فذهبت تدين الاحتجاجات والتظاهرات والاعتداءات على السفارات، بشكل مبالغ فيه أكثر من اللازم بهدف إرضاء واشنطن، بحيث جاءت الإدانات للاحتجاجات ومجاملة واشنطن، متجاوزة بشكل كبير حجم الإهانة الكبيرة التي وجهها الفيلم السيئ موضوع الأزمة، وبدا هذا واضحاً في الدول التي وقعت فيها الاحتجاجات.
وكان على الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، والتي جاءت جميعها بالأمس القريب وليدة الثورات الشعبية، ويسيطر عليها الإسلاميون، أن تتعامل مع الأمر بذكاء وحنكة سياسية أكبر. ولا ضير في أن تتصدى أجهزة الأمن للاحتجاجات والاعتداءات على السفارات، فهذا واجبها، لكن المؤسف أن تنبري الأنظمة الحاكمة، والمصنفة على أنها "إسلامية"، ومن ورائها الأجهزة الإعلامية، لتقديم الاعتذارات المبالغ فيها للحكومة الأميركية، وتتسابق بشكل مبالغ فيه في تبرئة الأميركان شعباً وحكومة من جريمة إهانة مشاعر المسلمين.
وهذا ما سمعناه من قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ونائب المرشد العام للجماعة خيرت الشاطر، الذي انبرى للدفاع عن الأميركان وتأكيد براءتهم، بينما لم تتخذ الحكومة الأميركية أي إجراء يذكر تجاه مرتكبي هذه الجريمة في حق الإسلام والمسلمين، وذهبت تضعها تحت بند "حرية التعبير"، وصدقنا نحن هذه الخدعة، في حين أن الأمر يشكل جريمة في القانون الدولي العام والإنساني، وفي الأعراف الدولية التي تنص على عدم تجاوز حرية التعبير حقوق ومشاعر ومعتقدات الآخرين.
وبينما صدقت الأنظمة المصنفة بالإسلامية أكذوبة حرية التعبير، وذهبت تعتذر للأميركان وتطيب خاطرهم، وذهبت أكثر من ذلك تكيل الاتهامات للمحتجين بالعمالة والتطرف والعمل لحساب جهات مشبوهة، شاهدنا روسيا الدولة المسيحية تتعامل بشكل أكثر جدية وموضوعية مع الأزمة، حيث أعد المدعي العام الروسي دعوى قضائية تطالب باعتبار فيلم "براءة المسلمين" فيلماً إرهابياً متطرفاً، يسيء لمشاعر أكثر من مليار مسلم في العالم، وهذا يكفي لتجريمه، ويطالب بمنع عرض الفيلم على كل مواقع الانترنت الروسية، وهددت السلطات الروسية موقع "يوتيوب" بالحجب في روسيا إذا لم يرفع هذا الفيلم.
هذا ما فعلته روسيا المسيحية، بينما سقطت أنظمة الحكم الإسلامية، في أول اختبار إسلامي لها، وذلك عندما بالغت في مجاملتها لواشنطن على حساب مشاعر شعوبها التي اختارتها، فقط لأنها ادعت أنها "أنظمة إسلامية".. وكان يمكن لهذه الأنظمة أن تمتص غضب الشارع وثورته بإجراءات أكثر إيجابية وموضوعية، وأقل نفاقاً ومجاملة لواشنطن.