بوفاة ميليس زيناوي فقدنا أفضل الطغاة الأفارقة المعاصرين. طوال عقدين أحكم الرجل قبضة حديدية على إثيوبيا تحت مظلة نظام الحزب الواحد. خلال العقدين عزز زيناوي مواقع قبيلته «التيغراي» وطائفته الأرثوذكسية ممارساً كافة أشكال القمع ضد خصومه السياسيين. حقوق الإنسان الإثيوبي تظل ملفاً أسود لا ينطوي فقط على القمع والتهميش بل يطال التعذيب والتشريد والتقتيل. في تظاهرة واحدة ضد نتائج انتخابات 2005 سقط 200 قتيل!
منظمات حقوق الإنسان ترى في زيناوي أنموذجاً صارخاً لتناقض مصالح أميركا ومبادئها في وقت واحد. على الرغم من إدانة واشنطن ممارسات الرئيس الإثيوبي الراحل ظلت تدعمه بمليار دولار سنوياً مقابل خدمات في القرن الإفريقي. زيناوي كان شرطي أميركا في تلك المنطقة وحليفها الوفي. هو العدو الشرس للإرهاب في القرن الإفريقي. حملته في الصومال شاهد بلا مثيل في إفريقيا. الرجل بنى أحد أقوى الجيوش في القارة السمراء.
إثيوبيا ليست قطراً تسهل إدارته. ذلك بلد يعج بثمانين مليون نسمة. هو المخزون السكاني الثاني على صعيد القارة. تلك كثافة تتنوع فيها الأعراق والديانات والطوائف.
زيناوي فرض حضوره داخل تنظيمه العسكري المناهض لنظام مانغستو، ثم هيبته داخل سلطة «الجبهة الديمقراطية الثورية» بقوة.
لكن الرجل اعتمد في صعوده إبان المرحلتين على عقليته المبدعة، عندما تولى رئاسة الوزراء رهن نجاح حكومته بتوفير ثلاث وجبات لكل إثيوبي.
بغض النظر عن عدد وجبات الإثيوبيين حالياً فالثابت نجاح زيناوي في انتشال شعبه من فك مجاعة عضته حتى العظم طويلاً. مع بناء جيش مقتدر نجح الرجل كذلك في بناء واحد من أفضل اقتصاديات إفريقيا. إثيوبيا في صدارة أسرع الدول نمواً بمعدل يوازي 10 % حالياً. زيناوي أعاد رسم وبناء وطن تتباين تضاريسه تباين قبائله وفق رؤاه السياسية الذاتية رافضاً وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين. كلاهما اعترفا لاحقاً بنجاح تجربته، هي تجربة تمزج بين اقتصاد الدولة والأنموذج الكوري الجنوبي.
زيناوي ظل على قناعة بتسريع وتيرة النمو الاقتصادي سبيلاً إلى بناء دولة قوية. لبلوغ تلك الغاية عمد الرجل إلى ركيزتين أساسيتين هما بث ثقافة الإنتاج وسط شعبه وجذب الاستثمارات الأجنبية.
على صعيد القارة تميزت أديس أبابا بباع طويل في صناعة الحرب والسلام وفق قناعات زيناوي الشخصية. الرجل رفض نصائح جنرالاته بالانقضاض على أسمره عقب دحر القوات الأريترية، إذ رأى في ذلك مغامرة تشعل ناراً لن يسهل إطفاؤها. زيناوي أقال وقتئذٍ مئات الضباط رافضي التسوية السلمية مع الجارة أريتريا. الجنود الإثيوبيون لم يخوضوا حرباً في الصومال وأريتريا فقط بل قاتلوا إلى جانب جون قرنق في السودان.
بالرؤية الثاقبة والقبضة الحديدية معاً شيد ميليس زيناوي بنى تحتية حديثة متينة لإثيوبيا قوية. ذلك هو الإرث الذي خلفه الرجل لمن يأتي بعده. المحافظة على إيقاع معدل النمو الاقتصادي يكفي لوضع إثيوبيا بين الدول المتقدمة، وفق تقديرات الخبراء. على الرغم من انتشار ممارسات القمع غير أن زيناوي أفلح في تجفيف بؤر الفساد في دولته إلى حد بعيد. القضاء على هذه الآفة تشكل تحدياً آخر أمام خلفه.
زيناوي يملك عقلية رجل دولة باعتراف كل من حاوره من الساسة الأفارقة والغربيين. حتى خصومه يعترفون له بهذا التفوق. الأكثر جدوى من ذلك اعترافهم أنه ترك إثيوبيا أقوى مما كانت عليه يوم تسلم زمام أمورها، ذلك هو الفارق بين طاغية وآخر.