ثورات شعبية في عدة دول عربية، وأنظمة جديدة تصعد للحكم وتجلس على مقاعد السلطة، وأخرى تنتظر دورها. ومن الواضح في بلدان الربيع العربي، أن الصراع على السلطة يفوق حتى الثورات نفسها، والأنظمة الجديدة، معظمها، إن لم يكن جلها، لا تمثل الثورات الشعبية، بل تسلقت هذه الثورات واستعانت بالشعارات الرنانة والعزف على مشاعر الشعوب المقهورة والجائعة، كما استعانت بالدعم الخارجي لتثبيت مكانها في الحكم، وهذه الأنظمة الجديدة لا يتوقع منها أن تفعل شيئاً من أجل الشعوب الثائرة، بل سيكون همها الرئيسي البقاء في الحكم، خاصة وأنها تفكر بنفس عقليات الأنظمة السابقة، بينما ثورات الشعوب تتعامل بآخر أدوات وتقنيات العصر الحديث.

نموذج الإخوان المسلمين في مصر واضح في السعي للاستحواذ على السلطة، وهذا أمر بديهي ومتوقع، فهي فرصتهم التاريخية التي جاءتهم في غفلة من الجميع، وهاهم يحشدون كل إمكانياتهم وقواهم للاستفادة بأقصى قدر ممكن من هذه الفرصة، وأعتقد أنهم بدؤوا بالفعل في تنفيذ مخططاتهم للتغلغل في مجالات حيوية تدعم بقاءهم في السلطة لأطول فترة ممكنة.

ومن هذه المجالات، الأمن والجيش والإعلام وغيرها، ويستخدمون في ذلك إمكانياتهم المادية وعلاقاتهم الشخصية داخل و«خارج» مصر، وهم بالقطع مستعدون لتقديم كافة التنازلات، وربما التعهدات لكافة الجهات التي يمكن أن تساعدهم في البقاء في السلطة لسنوات طويلة قادمة.

أن يكون الهدف الأساسي والرئيسي هو الاحتفاظ بالسلطة فهذا أمر خطير للغاية، أولاً لأن هذا الهدف في حد ذاته، في ظل الظروف التي تعيشها بلدان الربيع العربي، وخاصة مصر، أمر شبه مستحيل، حيث من الصعب مع هذا الهدف التفرغ لمباشرة مهام الحكم وحل قضايا الناس، ناهيك عن تحقيق أهداف الثورات من الديمقراطية والعدالة والتنمية والقضاء على الفساد وغيرها، هذه الأهداف تحتاج لجهود كبيرة لا طاقة للإخوان في مصر ولا لأي تيار سياسي منفرد بالحكم على القيام بها.

يبدو أن الأنظمة الجديدة، وخاصة جماعة الإخوان في مصر، سوف تكرر نفس أخطاء الأنظمة السابقة في الاستخفاف بالشعوب وتغييب وتهميش القوى السياسية الأخرى، ولكن الأمر الآن يختلف تماماً عن ذي قبل، فالشعوب تغيرت ولم تعد مستعدة للتنازل والسكوت على الفساد، ولن تقبل، حتى ببعض الإنجازات، بل ستطالب بالكثير، والمراهنة على عودة الشعوب للغيبوبة السابقة مراهنة خاسرة تماماً، كما أن تحدي الشعوب الآن هو بكل بساطة «انتحار ذاتي».

مصر الآن كنموذج، بعد ثورة 25 يناير، وفي ظل ظروف الربيع العربي، لا يستطيع أي تيار سياسي فيها أن يستحوذ على السلطة لأكثر من دورة سياسية واحدة، هذا إذا صمد، وعلى من يحلم بالبقاء لدورة أخرى أن يبتعد عن الحيل القديمة البالية، وأن يؤمن بأن العالم كله يتغير، وأن شعوب اليوم ليست شعوب الأمس، وأن الشعارات لم تعد تجدي، مهما كانت هذه الشعارات، دينية أو وطنية أو قومية أو غيرها، والسلطة في الظروف الحالية لم تعد رفاهية وامتيازات، بل أصبحت عبئاً وتكليفاً بمهام صعبة، لا تكفي الشعارات والذقون الطويلة وبركات المرشدين للقيام بها.