لا أستطيع أن أخفي سعادتي بالاستقبال "الرائع!!"، الذي استقبل به المصريون وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، هذا الاستقبال الذي يعكس بالفعل وعيا سياسيا، لا يغيب، رغم المشاكل الكثيرة، لدى الشعب المصري العظيم الذي يعرف جيدا عدوه من صديقه.

ولا ينفع معه الخداع الأميركي وادعاءات واشنطن بدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تخفي وراءها أهدافاً ومصالح خاصة لا تعير قضايا الشعوب أي اهتمام. لقد قذف المصريون الوزيرة الأميركية بالأحذية والطماطم، وكان رد فعل كلينتون غريبا للغاية، فقد أبدت هدوءا باردا مصحوبا بتعليق، لا أعتقد أنه يخلو من تلميحات تعكس في الواقع نظرة واشنطن لشعوبنا، وأيضا للشعوب الأخرى..

فقد قالت كلينتون إنها ليست غاضبة من رد فعل المصريين، لكنها "آسفة على الطعام الذي ألقوه على الأرض"، وكأن حال لسان كلينتون يقول "أيها الجوعى لا تلقوا الطعام الذي أنتم في أمس الحاجة إليه"! إنها النظرة الأميركية الحقيقية لشعوبنا، نظرة الأسياد للعبيد الذين لا يستحقون سوى الجوع أو الموت.

وهذا ما تقدمه لهم أميركا الدولة الأغنى والأقوى في العالم، والتي لا ترى منها الشعوب سوى الحروب والدمار والقتل. وأذكر هنا تصريحا للرئيس الأفغاني الراحل برهان الدين رباني، الذي قاتل بشراسة ضد السوفييت في أفغانستان، ثم سمعناه يقول للصحفيين الأجانب عام 2009:

"لقد طردنا السوفييت من بلادنا وجاء الأميركان فدمروا كل ما بناه الروس عندنا من مدارس ومستشفيات وجسور وغيرها"، هذا هو بالفعل ما فعله الأميركان في دول كثيرة، ومنها مصر، ولكن بشكل آخر، فقد طرد أنور السادات السوفييت الذين بنوا السد العالي والمدن الصناعية الكبيرة، وجاء بالأميركان الذين لم يبنوا شيئا يذكر في مصر.

وذهبوا يدعمون الأنظمة الحاكمة المستبدة بالأموال والسلاح والسياسات الهدامة، التي دمرت الصناعات الوطنية والزراعة والتعليم، ودعمت فئة من المنتفعين الطفيليين الذين كانوا يستحوذون على المعونة الأميركية لأنفسهم، ويحرمون الشعب المصري حتى من إنجازاته السابقة.

الوزيرة الأميركية تعلم جيدا أن الشعب المصري يحتاج للغذاء والدواء والكساء والتعليم والمصانع والتعمير والتنمية، وتعلم جيدا أن هذه الأشياء جميعها ممنوعة في السياسة الخارجية الأميركية التي لا تعرف سوى شراء الأنظمة الحاكمة..

وهل من المعقول أن تساعد أميركا في تنمية ونهوض دولة كبيرة مثل مصر بجوار حليفتها المدللة إسرائيل؟ وهل من المعقول أن تذهب المعونة الأميركية السنوية لمصر، والتي يذهب معظمها كمعونة عسكرية، لبناء جيش قوي بجوار إسرائيل؟

شعوب العالم الثالث في قاموس السياسة الأميركية، ما هي إلا أهداف للمؤامرات والحروب وقذائف السلاح الأميركي، ويكفي واشنطن إنفاق بضعة ملايين من الدولارات لشراء الأنظمة الحاكمة، بدلا من إنفاق المليارات على بناء وتنمية دول العالم الثالث.

استقبال المصريين الحار للوزيرة الأميركية، رسالة واضحة لواشنطن بأن الشعب المصري الذي أسقط النظام الذي كانت تحركه وتدعمه أميركا، لم يعد ينطلي عليه الخداع الأميركي وشعارات الديمقراطية الكاذبة، كما أنه رسالة تحذير واضحة للنظام الجديد الحاكم في مصر، حتى لا يقع في الفخ نفسه الذي وقع فيه النظام السابق ودفع ثمنه غاليا.