في أحد الأسفار، انضممنا إلى مجموعة سياحية فيها من كل الجنسيات، من ضمنهم عائلة بريطانية تتكون من ولدين مراهقين ووالديهما، لا أنسى الحوار الذي دار أمامي بين أحد الولدين وأحد رفقائنا في السفر، إذ سأله كم يستغرق سفركم ؟ فأجاب؛ شهرا، فشهق الفتى قائلا، رحلتنا مدتها أسبوعان وأراها طويلة، كيف تحتمل ذلك ؟
طبعا احتمال ذلك يعتمد على أمور كثيرة أهمها توفر الراحة في مكان السكن، وتوفر الأنشطة اليومية المناسبة للجميع من صغار وكبار، وبالنسبة للأولى فالسكن في فيللا فندقية في " أبها " ذات عام تجربة لا تنسى ، بينما التورط في فندق سيء في ميونيخ ذات مرة أيضا تجربة لا تنسى ولكن في الاتجاه المعاكس، ففي الأولى اختزلت معظم الذكريات في البيت الفخم المريح الذي سكناه، وفي الثانية محيت كل الذكريات الجميلة على عتبات الفندق التعيس الذي نزلنا فيه.
السكن مهم للغاية وأظن بأن الناس قد تجاوزوا زمن الاختيارات السيئة وذلك لتوفر الوعي والإمكانات السياحية بشكل كبير، وصارت نسبة غير قليلة منهم تفضل سكنى الفلل، مما يوفر مزيدا من الراحة والخصوصية لهم، أما الأنشطة فالغالب عليها حتى الآن العشوائية والتركيز على التسوق لحد الملل، خاصة بالنسبة للصغار الذين يبدأون من اليوم الثالث للسفر في الإلحاح بالسؤال العتيد؛ متى نعود إلى البيت؟
مبالغ طائلة تذهب في دوامة السفر بلا نتيجة، والهدف الرئيسي من السفر وهو الهروب من الحر لا يتحقق لأن شهور الحر طويلة، وتظل تلاحقنا بلفحها زمنا لا تستوعبه الأسفار المعتادة. لذا فإن شيئا من التركيز مطلوب لتحقيق أهدافنا كما يجب ركني السفر السعيد، السكن الجيد والأنشطة المناسبة، يمكن تطبيقها داخل الوطن لتعطي نتائج قد تفوق السفر.
ولكن الإقبال على ذلك لن يكون مرضيا مالم تقدم الإغراءات المادية الجيدة، فكل أنواع السكن متوفرة وكذلك الأنشطة وخاصة البحرية ولكن الأسعار غير مشجعة للمواطن والمقيم داخل الدولة.
القرى السياحية غير الربحية المقامة من قبل الدولة وبإشرافها هي المطلوبة في المناطق ذات الجاذبية السياحية، ولا أظن أن هناك تخوفا من أثرها السيء على السياحة وإذا كان فيمكن حصر الانتفاع بها للمواطنين بالدرجة الأولى هناك تنوع جغرافي جميل في دولتنا، والمسافات بين الإمارات مناسبة سياحيا، لا طويلة فتتعب.
ولا قصيرة بحيث لا تحقق الشعور بالاختلاف المكاني، وقضاء أسبوع على شاطئ الفجيرة أو رأس الخيمة أو غيرها، تجربة تستحق العناء، خاصة لمن يجيد استغلال البحر وأنشطته، ولكن المواطن ينصرف عن ذلك حين يجد بأن كلفة ذلك تساوي كلفة السكن في فندق من فنادق أوروبا، مع فارق الطقس.
الدعوة إلى تفعيل السياحة الداخلية بشكل جاد لا يعني التوقف عن السفر، بل يمكن الجمع بينهما، وذلك سيخفف من أسفارنا بنسبة ما، وسيحقق متعة حقيقية لا نجدها في كثير من البلاد التي نزورها، بدل ذهابنا وإيابنا خالين الوفاض إلا من الحقائب والأحذية والعطور، التي نجلبها من هناك، وهي هنا في بلادنا، تملأ الأسواق.