خرج الإخوان المسلمون من الكهوف، وانطلقوا في غفلة من الجميع ليصلوا إلى أعلى السلطة في مصر، ولم تساعدهم في ذلك فقط قدراتهم التنظيمية، بل ساعدهم في الأساس غياب الوعي السياسي في الشارع المصري.
ولا يمكن تصور أن قاعدة الإخوان التنظيمية تضم مليون شخص أو عضو، ولا يوجد في العالم كله تنظيم سري أو معارض يملك مثل هذه القاعدة الكبيرة، وإلا استطاع أن يحصل على السلطة وقتما يشاء وبسهولة. ولا توجد لدى تنظيم الإخوان المسلمين، كما يتصور البعض خطأ، هذه الأجهزة والقدرات الجبارة لتوجيه الملايين لتأييده في الانتخابات.
لكن قوة الإخوان تتمثل فقط في ضعف الآخرين، وأقصد بالآخرين هنا ليس فقط التيارات والقوى السياسية الأخرى، بل أيضاً الجموع الشعبية التي تندفع بعواطفها الدينية ومشكلاتها الاجتماعية، فتتمسك بالأقرب لها عاطفياً والذي يُعتقد أنه كان مضطهداً من النظام السابق، وهذا أيضاً خطأ شائع. الجموع الشعبية تملك الروح الثورية، لكنها تفتقر للوعي السياسي الذي يعينها على التمييز والفهم الصحيح، فهي تنطلق كالقطيع الذي يندفع كل فرد فيه من منطلقات فردية؛ كالجوع والفقر والبطالة والإحباط الاجتماعي وغيرها.
نهج تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، سياسي بحت لا علاقة له بالدين سوى الاسم فقط، كما أن الجماعة في هيكلها التنظيمي، ومنذ رحيل مؤسسها حسن البنا، لم تضم في قيادتها أية مرجعيات دينية من علماء الدين، ولم تخُض في نشاطها في القضايا الخلافية الدينية التي كانت تثار بين الحين والآخر، بل كان اهتمامها كله منصباً على الصراعات السياسية.
ما نريد قوله هنا، أن جماعة الإخوان في مصر يجب التعامل معها على أنها تنظيم سياسي بحت، وما يؤكد هذا هو سلوك الجماعة منذ انطلاق الثورة المصرية في 25 يناير 2011 وحتى الآن. وهذا الأمر يفرض على التيارات السياسية الأخرى، إذا أرادت التغيير، أن تتعامل مع الأمر الواقع على أسس علمية ومنهجية وبتخطيط جاد وسريع، ولا تترك الوقت يضيع منها في صراعات وخلافات على مقاعد ومناصب بالية ومهاترات حول الحلال والحرام، بينما الإخوان ماضون في مخططاتهم بعيداً عن الدين.
وأهم قضية تقع على عاتق التيارات السياسية بكل أطيافها، هي التوعية السياسية لجموع الشعب المصري، الذي أصبح الآن بالتحديد جاهزاً ومستعداً لهذه التوعية أكثر من أي وقت مضى. وأهم مجال في التوعية، في رأيي، هو التوعية الدينية على الأسس العلمية التي يزخر بها ديننا الحنيف.
فهي السلاح الذي سيحد من اندفاع الجموع الشعبية بلا وعي وراء الشعارات الكاذبة والمضللة، وتجب الاستعانة في هذه التوعية بعلماء دين مشهود لهم، وأيضاً الاستعانة بالدعاة الدينيين المعتدلين ذوي الشعبية والقبول لدى الناس.
التوعية الدينية التي ندعو لها هي جزء لا يتجزأ من التوعية السياسية، وهي ليست حرباً ضد جماعة الإخوان المسلمين، بل هي موجهة أيضاً إلى قواعد هذه الجماعة، وهي نفس الدعوة التي من أجلها أسس حسن البنا جماعة الإخوان وبسببها تم اغتياله، لأنه رفض استخدام الجماعة لأهداف سياسية في الصراعات على السلطة.