قد يندهش البعض أو يلومني إذا قلت أنني لا أحب مصطلح «الديمقراطية» الذي يتداول الآن في مختلف أنحاء العالم، وأعتقد دائما أنه «حق يراد به باطل»، خاصة بعد أن صارت الديمقراطية في الغالب سلعة مستوردة من جهات مشبوهة وليست نتاج الشعوب ذاتها ولا هي مطلبها الرئيسي.

ولا أعتقد أن الشعوب العربية التي انتفضت وثارت ضد الأنظمة القمعية الفاسدة والمستبدة بالحكم لسنوات طويلة كان مطلبها الرئيسي هو الديمقراطية، وقد تغيب الديمقراطية بمفاهيمها الحديثة في مجتمع ما ولا يشعر الشعب بحاجته إليها إذا ما توافرت له أشياء أخرى مثل سبل الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.

ولم نسمع في التاريخ عن ثورة قامت لإسقاط نظام وكان مطلبها الأول تحقيق الديمقراطية، فالثورة تقوم لتهدم ما هو قائم، ثم تبدأ بعد ذلك في بناء ما تريد، وعملية الهدم هذه تحتاج لزمن قد يمتد لسنوات، ولا مجال في مرحلة الهدم للحديث عن الديمقراطية، بل على العكس مطلوب فيها شيء من القوة والحزم والاستحواذ الأشبه بالديكتاتورية، خاصة ضد الأنظمة الفاسدة المستبدة بالحكم لسنوات طويلة كالتي اندلعت ضدها ثورات الربيع العربي، هذه الأنظمة التي تشعب فسادها وانتشر في كافة أرجاء المجتمع ومؤسساته.

وزاد عدد المنتفعين من وراء هذا الفساد بشكل يصعب معه تحديد الصالح من الفاسد، ويصعب معه تمييز أعداء الثورة من أنصارها، وهنا تأتي الديمقراطية المزعومة لتخلط الحابل بالنابل والفاسد بالصالح، وتخسر الثورة وتندحر بسبب زيادة أعداد الفاسدين واستمرار مصالحهم ونفوذهم في مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة. لقد أخذت الفرحة الكبيرة الشعوب التي أسقطت بسرعة رؤوس الأنظمة الفاسدة وجعلتها تغفل تماما عن عملية استكمال مرحلة الهدم لباقي أركان النظام الفاسد.

ونظرا لفقدان هذه الشعوب الثائرة للقيادة الثورية المبرمجة والمنظمة، وجدت نفسها فريسة سهلة لبقايا النظام المخلوع وتوابعه الذين ما لبثوا، بعد سقوط النظام أن ركبوا هذه الثورة مدعين تأييدهم لها، وامتطوا صهوتها ليقودوها حيثما أرادوا، وكانت الديمقراطية هي الخدعة الكبرى التي استطاعوا بها ترويض الثورة والثوار وشغلهم عن استكمال مرحلة الهدم، فجاءت هذه الديمقراطية بمثابة عملية ترميم وتجميل للنظام السابق.

هذا هو ما حدث ويحدث في مصر الآن، حيث في الوقت الذي لم يغادر فيه الثوار الميدان كان بقايا النظام المخلوع وتوابعه وإعلامه ونخبه السياسية وأحزابه الكرتونية قد بادروا بالبدء فيما أسموه ببناء الديمقراطية ، ولعبة الدستور،الأمر الذي انعكس بشكل واضح في نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

والتي جاءت بعيدة بشكل واضح عن الثورة ومناقضة لأهدافها. وخدعة الديمقراطية هذه لا أعتقد أنها وليدة عقل بقايا النظام السابق فقط، بل تقف وراءها جهات أخرى خارجية لها مصالح حيوية وإستراتيجية في مصر والمنطقة العربية، ومن المعروف أن الولايات المتحدة هي المروج الأكبر في العالم لسلعة الديمقراطية المزعومة، وتستخدمها ببراعة في التعامل مع ثورات الربيع العربي الشعبية، ويساعدها في ذلك غياب القيادات الثورية.

ويبقى السؤال «هل تتدارك الثورات الشعبية أخطائها وتواصل مسيرتها وتفرز قياداتها الثورية، أم تستمر في متابعتها لتمثيلية الديمقراطية؟».