ما يحدث على الساحة المصرية يؤكد أن خيار الثورة لا بديل له، فرغم وصول ممثل الإخوان وممثل النظام السابق للمنافسة النهائية على مقعد الرئاسة، وكلاهما ليسا خيار الثورة، إلا أن الميدان ما زال هو المرجعية، والثورة ما زالت هي المنهج والمسار، وليس أدل على ذلك من أن كلا المرشحين يوجهان خطابهما للميدان ويستعين به كل منهما على الآخر.
وبينما يتهم مرشح الإخوان خصمه بأنه عدو الثورة وقاتل الثوار في موقعة الجمل، يفاجئنا المرشح المحسوب على نظام مبارك بتأييده للثورة وباتهامه للإخوان بأنهم هم قتلة الثوار في نفس الموقعة، وعلى الجانب الآخر نشهد جبهة ثالثة تضم المرشحين الخاسرين في المرحلة الأولى، والذين قرروا، ولو متأخرا، أن يلتقوا وينسقوا جهودهم معا للمرحلة القادمة، وليس لدى هذه الجبهة الثالثة من مرجعية ولا سند سوى الثورة والميدان.
لقد واجهت الثورة المصرية بعد نجاحها في خلع الرئيس مبارك، مخاضا عسيرا للغاية، حيث انطلقت حملات التشويه والتخويف والترهيب والتحذير من الثورة وتداعياتها، هذه الحملات التي لم يعرف بالتحديد مصدرها، لكن بدا واضحا أن الإعلام يلعب دورا كبيرا فيها، هذا الإعلام بشقيه الحكومي والمستقل، والذي يصعب الجزم بأنه مؤيد للثورة، وإن كان يحاول الظهور دائما بأنه يؤيدها، إلا أنه كان المروج الأكبر لحملات التشويه والتخويف والترهيب، حيث لم يتوقف هذا الإعلام عن الترويج لمقولات الانهيار الاقتصادي وانهيار الأمن وانتشار الفوضى والجريمة.
وبينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت تقدم الثوار المعتصمين في الشوارع والميادين، كان الإعلام يركز على الشبيحة والمجرمين والبلطجية الذين يقذفون المباني الحكومية ويحرقونها ويسرقون البنوك، ولم يكن غريبا أن يكون الشعار الأول للمرشح المحسوب على نظام مبارك، هو "تحقيق الأمن في وقت قياسي".
الحديث عن تسبب الثورة في الانهيار الاقتصادي، حديث ممل ومرفوض من شعب لم يشعر بقيمة هذا الاقتصاد ولا بوجوده على مدى سنوات طويلة مضت، كما أنه حديث مشكوك في مصداقيته، حيث إن الثورة لم تتسبب في تعطيل أي مجال اقتصادي أو إنتاجي، حتى السياحة لم تتوقف، والبورصة لم تنهر بل ظلت تعمل وبنفس وتائر ونتائج ما قبل الثورة.
أما بالنسبة للأمن فهناك ظاهرة غريبة تستدعي الانتباه والتساؤلات، وهي أن الأمن بدا مستقرا تماما وأعمال البلطجة والفوضى والشبيحة توقفت تماما، أثناء الانتخابات البرلمانية وأيضا أثناء انتخابات الرئاسة، مما يعني أن من وراء هذه الأعمال يشارك في الانتخابات ويسعى للفوز بها.
فليكن من يكن رئيسا لمصر في هذه الفترة، فلن يؤثر هذا في مسار ونهج الثورة المصرية التي انطلقت لتوقظ الشعب المصري من غيبوبته التي طالت سنوات طويلة، ويخطئ من يتصور أن الثورة ستندحر أو تتراجع، كما يخطئ ويخاطر بمستقبله ومصيره من يعمل في الخفاء على إجهاض هذه الثورة، فقد استعاد الشعب المصري في عام واحد ما افتقده من وعي سياسي في أعوام طويلة مضت، وستظل روح الثورة حية ومتقدة في الميدان، تترصد لكل من تخوله نفسه الإساءة أو التلاعب بمقدرات ومصالح هذا الشعب وهذا الوطن.