قالت لي، كتبت لزوجي رسالة نصية قلت له فيها، أنت الرب وأنا العبد، فإن عصيتك فاغفر لي، وأمام استغرابي أخذت تشرح، أقصد أنه رب الأسرة، ولا أظن أن في ذلك شيئاً، قلت: أنت الآن كمن يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه، لن أناقشك فيما كتبت، ولكني لا أحتمل المس بعقيدتي.

ولا تستغربي إن قطعت علاقتي بك بسبب كلمة أو عبارة استهنت فيها بثوابتنا معا في الدين، مع العلم بأنها من أعز صديقاتي، والحمد لله فلقد استغفرت مباشرة، ثم مسحت الرسالة من هاتفها، لا ضعفا منها ولا استسلاما لعاطفة الصداقة، فشخصيتها أقوى من ذلك وعقلها أرجح، ولكن احتراما لدينها وخوفا من ربها، وتحاشيا لنفسها أن تكون مسلمة ولا تحترم الإسلام.

قبل عام بالضبط اعتذر البروفيسور طارق حبيب، لله والأمة عن خطأ غير مقصود، في مقارنته بين السيدة خديجة والسيدة عائشة، وهذا الاعتذار لم ينقص من قدره بل رفعه في أعين الناس أكثر، ولا كبير فوق الحق، والدين والرب.

طبعا مناسبة الحديث هو ما أثير عن منع الكاتبة بدرية البشر عن إلقاء محاضرة عن الأخلاق الحميدة في جامعة قطر، والسبب ما كتبته من عبارات تمس الذات الإلهية في إحدى رواياتها، مر من الزمن ما يكفي، ولم تقدم الكاتبة التوضيح الشافي لما كتبته، واكتفت بلوم الناس على اتخاذهم موقفا رافضا مما كتبته لاطلاعهم على سطرين مجتزأين من روايتها من دون الاطلاع على الرواية كاملة، ويبدو هذا الكلام مقنعا، ولكن هل على الجميع المسارعة بشراء الرواية لمعرفة الحقيقة ؟ ألم يكن من الأجدر أن تضع الكاتبة على النت ما يوضح الحقيقة من صفحات الرواية، ولا أظن أن ذلك معجز؟

لا شك أننا جميعا ضد رمي التهم جزافا، وضد محاربة الإبداع بكل أنواعه، والأدبي بشكل خاص، ولكن ما امتلأ به النت مذ بدأت هذه الحادثة من قبل بعض الأدباء والمثقفين من أن السياق الأدبي والروائي يجيز ما لا يجيزه سياق الحديث العادي من تجاوزات.

وأن الخيال لا يحاكم، وأن للمبدع الحرية في أن يقول ما يشاء، لأنه مبدع، أو لأنه روائي أو شاعر، لهو من نوع خلط الأمور، لتتويه القارئ العادي غير المبدع، والذي لا يحمل تاج الرواية على رأسه، ولا صولجان الشعر في يده، وكثير من الناس يقتنع ويسكت ويقلب الصفحة ويمضي للنظر في الأمور الأخرى الأهم،.

والتي منها خطر وجود الظلاميين والإقصائيين وما شابه من الصفات، التي أطلقت على من تسبب في منع المحاضرة، ومنها المقارنة بين التمدن والتحضر وضيق الأفق، وأشياء أخرى بعيدة عن جوهر الموضوع.

مؤسف جدا أن يهون الدين علينا بهذا الشكل، في الوقت الذي نحارب فيه بكل شراسة لأننا شرّفنا بحمله، وكرّمنا به، وأبسط ما يطالبنا به احترامنا له اليوم، هو تقديم التوضيح الكافي في وسائل الإعلام بشأن السطرين اللذين أثارا حمية الناس وامتعاضهم، ثم ترك الأمر لأهل الاختصاص من علماء الدين والروائيين للحكم فيه.