بقدر ما شكلت نتائج المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية صدمة للكثيرين من الشعب المصري، خاصة لشباب الثورة وللغالبية من نخبة السياسيين والمثقفين والفنانين، بقدر ما شكلت أيضا صدمة ربما تكون أكبر بالنسبة لجهات أخرى خارجية، خاصة في إسرائيل وواشنطن. وليس السبب في ذلك، كما يعتقد البعض، صعود ممثل الإخوان المسلمين واحتمال فوزه في المرحلة النهائية.

فالإخوان أقرب من أي تيار آخر للتفاهم مع واشنطن وتل أبيب، وهذا ما بدا واضحا من تصريحاتهم ولقاءاتهم مع الأمريكان خلال الأشهر الماضية، وتصريح مرشحهم المرسي بأنه يفتح ذراعيه لإسرائيل، والحقيقة أنه لا توجد خصومة محددة بين الإخوان المسلمين وإسرائيل، لا منهجيا ولا تاريخيا.

لكن سبب الصدمة الذي لا يلفت انتباه الكثيرين، هو مجيء المرشح الناصري حمدين الصباحي في المركز الثالث، وحصوله على ما يقرب من خمسة ملايين صوت، حيث كاد أن يدخل في المنافسة النهائية. هذه النتيجة التي لم يكن يتوقعها أحد للصباحي، لا شك أنها شكلت صدمة وارتباكا شديدا، ذلك أن حمدين ليس مرشحا عاديا بالمرة، بل إنه يمثل التيار الذي تخشاه كل من واشنطن وتل أبيب.

وهو التيار الناصري القومي الذي يعتبر الصراع مع إسرائيل "صراع وجود لا صراع حدود"، وهو التيار الوحيد على الساحتين المصرية والعربية، الذي تصدى بقوة لاتفاقية كامب ديفيد وللتطبيع مع إسرائيل، وهو التيار الذي تعرض لحرب إعلامية وسياسية وأمنية شعواء على مدى أكثر من ثلاثة عقود مضت، بحيث بدا وكأنه انتهى من الساحتين المصرية والعربية، ثم فجأة يعود ليظهر وبقوة في الثورة الشعبية المصرية.

وأذكر تصريحا لوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك أثناء الثورة قبل تنحية حسني مبارك بأيام قليلة، وهو يطالب الإدارة الأمريكية بالضغط على مبارك للتنازل عن الحكم لنائبه عمر سليمان، قبل أن يخرج من الشارع "جمال عبد الناصر" آخر..

وها هو يخرج عليهم مرشح ناصري يحظى بتأييد كبير، خاصة من شباب الثورة المصرية الذين وجدوه وحده بين كافة المرشحين الأقرب لهم والأنسب لتمثيلهم، وهذا ما عبر عنه المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي الأسير في سجون إسرائيل، في رسالته التي أرسلها لحمدين الصباحي يهنئه فيها على الإنجاز الكبير ويقول له "لقد وجدت الثورة المصرية أخيرا القائد المناسب لها".

وهذه كارثة كبرى لإسرائيل وواشنطن، وأيضا للجهات الداخلية والخارجية التي استغلت غياب القيادة الثورية لثورة الشباب المصري، فذهبت تعبث بهذه الثورة وتزايد عليها وتشوه صورتها وتخيف الشعب المصري منها، مستغلة في ذلك بعض الإعلام المصري وأجهزة الدولة المتخلفة عن عهد مبارك.

الصعود الكبير والمفاجئ للمرشح الناصري، الذي لم تكن وراءه أية قوى سياسية أو حزبية أو مؤسسات حكومية أو خاصة، ولم يحظ بأي اهتمام ملموس من وسائل الإعلام الحكومية أو الخاصة، لا شك أنه أحدث دويا كبيرا لدى جهات عديدة على رأسها تل أبيب وواشنطن، لأنه يشكل بالنسبة لهما نذير خطر وتهديدات كبيرة لاقترابه كثيرا من الحكم في مصر، التي تشغل أهمية استراتيجية وأمنية كبيرة بالنسبة لواشنطن وإسرائيل.