في وجودي في إحدى القرى في تركيا ذات مرة، لفت نظري الحضور البارز للمختار، حيث يدخل الناس عليه ويخرجون بكل بساطة، وقد يخرج هو مع أحدهم لحل مشكلة ما ثم يعود، علمت لاحقا أن في كل قرية مختار، وتذكرت الأسماء المختلفة لهذا المنصب في الدول العربية، لعل أشهرها حضرة العمدة المصري والوالي العماني والمحافظ الكويتي وغيرها.
بعيدا عن التسمية فهذا المنصب يقصد به مسؤول المنطقة أو القرية أو المدينة، ولئن كان ظهور الدولة النظامية والشرطة قد أدت إلى إلغاء هذا المنصب أو تقليص دوره، إلا أنه لا يزال قائما، هنا في هذا الجزء من العالم كان هذا المنصب موجودا بشكل ما، حيث كان لكل منطقة من يمثلها ويتحدث باسمها ويحمل شكاوي أهلها إلى السلطات الأعلى، كما كان يجمع الناس في مجلسه لمناقشة أمورهم وخصوماتهم العائلية وغيرها.
قد يظن البعض أن هذا الدور لم يعد مطلوبا لتغير الحياة، ولكن وجوده سيظل مفيدا، فهو بالإضافة إلى مؤازرته لدور الشرطة، فإنه يؤدي إلى المزيد من التكاتف الاجتماعي والانتماء للوطن
لعل من مشاكلنا في الخليج هو القفزات العالية عوضا عن السير الهادئ، ولا شك إن لذلك أسبابه، فكلنا يعلم بأن وتيرة التسارع خلال الخمسين عاما الماضية تعادل ما حدث في خمسة قرون في مناطق أخرى، وبين كلام الفريد ثيسجر وهو يغادر المنطقة عام 1950 وكلامه حين عاد إليها زائرا بعد ذلك بأقل من ربع قرن، ما يوضح التغيير الذي كان بمثابة الصدمة له ولكثيرين غيره، ولقد بين ذلك في كتابه الشهير رمال عربية.
في قفزاتنا نهدم ونحطم كثيرا من الأشياء التي تشكلت عبر مئات السنين، والتي قد تعجز المجتمعات الأخرى عن إحداثها اليوم وإن تمنت، والتي يجب أن يبنى عليها لا أن تهدم.
وجود ساحات وسط المناطق كان شيئا متعارفا عليه، وأهمل لسنوات ثم عاد في بعض المناطق ولا نراه في أخرى.بينما في أرقى الدول لا تزال المدن والقرى تخطط وفق احتياجات السكان، ولا زالت الساحة التي تجمعهم موجودة كجزء أساسي وبارز في التصميم.
مظاهر وعادات وفنون اختفت من حياتنا بلا معنى، شرطة دبي كانت تقيم بين فترة وأخرى عرضا موسيقيا جميلا ومبهرا يجوب شوارع المدينة، ويستمتع به الجميع، ولكن توقف منذ زمن طويل، وصار صغارنا يستمتعون بهذه المارشات في الخارج فقط
مدفع الإفطار الذي يضيف لرمضان بهجة خاصة، لم يعد يسمع في معظم مناطق المدينة، لأن عدد المدافع لا يتناسب مع التطور العمراني الذي حدث، وهناك جيل لا يعرف عنه شيئا، ولا يبدو أن هناك اهتماما بهذا الموضوع على الرغم من تكلفته الزهيدة.
إنها ملامحنا، بصماتنا الخاصة، رائحتنا المميزة، كيف لا نأبه بتلاشيها وضياعها بين تفاصيل التاريخ والجغرافيا، غير آبهين بالزمن الدقيق القاسي جدا في حسابه، والمرير جدا في عتابه.