في كل مرة أقرأ فيها لجلال عامر في تويتر، أقول رحمك الله يا جلال عامر أن لا زلت تجعلنا نبتسم، هذا الرجل الذي لم يكن خاليا من الهموم ولا يعيش بلا منغصات ولكنه تناول الحياة بأحد أنجع الأساليب، وهو أسلوب النكتة والسخرية، هذا الأسلوب الذي يجعلك تصب الماء البارد على أي جمرة نار تعترض طريقك وتدوسها فتحيلها رمادا ثم تمضي.
الفنان والممثل العالمي الراحل شارلي شابلن الذي لا يزال يضحكنا أيضا، لقد عانى شابلن الكثير في حياته وصقلت شخصيته الكوميدية حزمة من الآلام والمآسي والصعاب التي أدرك أن السخرية منها هي طريق النجاة من قسوتها، وقريبا منه نجد إسماعيل ياسين الذي فتح عينيه على اليتم والتشرد، فصنع منهما تلك الابتسامة التي لا تزال تشد الكثيرين إلى أجوائها على الرغم من كل تلك السنين على نهاية صاحبها.
وهكذا تتكرر النماذج أمامنا من البشر الذين قاوموا الآلام ومصاعب ونكبات الحياة بضحكات متتالية تنطلق كالرصاص، لتجعلها تولي من أمامهم هاربة، أتذكر امرأة نصف بصيرة تدعى خميسة، تستخدم يديها كثيرا للتعرف على الأشياء أمامها، مصابة بالسكر والفشل الكلوي، فقيرة جدا وبلا أية مؤهلات شخصية أو تعليمية، ولكن المتعة التي كانت تقدمها للناس بتناولها البسيط والساخر للأمور لا تغادر الذاكرة، حصلت خميسة مرة بقدرة قادر على وظيفة عاملة في المستشفى.
ولا زلت أتذكر تلك الجلسة التي كانت تتحدث فيها عن ضياعها بين ممرات المستشفى لتجد نفسها في غرفة حفظ الموتى، تتلمس أجسادا باردة ساكنة لا ترد عليها، هذا الموقف المهول قدمته في قالب يفيض نكتة وسخرية، على عجزها وضعفها وجهلها بدروب الحياة، لست أدري إن كانت خميسة تدرك أو لا تدرك ــ رحمها الله - مدى عظمتها، هذه العظمة البادية بوضوح في البراعة في تغيير اتجاه الريح واقتناص السهام المنطلقة باتجاهها، لإعادة رميها من جديد إلى حيث أتت.
في حالة تلك المرأة كانت السخرية أسلوب حياة، وهذا ما نحتاجه جميعا بدرجة أو أخرى لنقاوم كل هذا التعب الذي يكاد يطبق على الناس في كل مكان، مزيد من تبسيط الأمور عوضا عن تعقيدها، ومزيد من السعي للضحك والبهجة لمعادلة مشاق الحياة المتوجة في النهاية بمصيبة الموت، والتي بدورها لا تستثني أحدا.
ليس من قبيل المصادفة أن جيل الآباء ممن عاش شظف الحياة واقتلع اللقمة من أعماق البحر وانتعل في عين الشمس رمال الصحراء، كان يتميز بتلك الروح الساخرة المرحة، التي كانت تجعلنا لا نمل الجلوس معهم والاستماع لأحاديثهم المريحة المبهجة للنفس، تلك الأحاديث التي لا تزال تدور في ذاكرتنا وتعيد ترسيخ هؤلاء الآباء والأجداد في ذواتنا بشرا رائعين، لم يتوقفوا أمام كل ذلك العناء واجهوه في حياتهم التي كانت بالقطع أصعب بكثير من حياتنا الآن، بل قاوموه بصنع الابتسامة وإشاعة جو المرح.
الدعوة إلى المرح والانطلاق في الحياة، بعيدا عن الزيف والإسفاف والتهريج، هو نهج العظماء، أمثال شارلي شابلن وإسماعيل ياسين، وأيضا صديقتنا خميسة، هؤلاء البشر الذين أدركوا أن الحياة إنما هي أيام تمضي من العمر فتنقصه، وليست تضاف إليه لتطيله، والخاسر دائما هو من يمضي في هذه الحياة بشكل آلي حاملا أيامه على كتفيه عبئا ثقيلا بلا معنى ولا داعٍ ولا سببٍ مقنع.