الاستقلالية عمادها الاتكال على النفس ولها مراحلها، ويعتبر الدخل المادي من أهمها، فلا يعتبر أي إنسان معتمداً على نفسه إلا بحصوله على راتب يقتات منه، وهنا يوجد عرف لهذه المرحلة العمرية التي تقرب من بداية العشرينات، ولكن أن تمتد بك هذه المرحلة إلى ما بعد منتصف العشرينات، فهذا دليل على وجود خلل في سير حياة الفرد ويزيد من الضغط على والديه بتخصيص مصروف خاص لابنهما، وغالباً ما تكون هذه الفئة من المتأخرين دراسياً أو من الذين لم يحصلوا على أية وظيفة بعد تخرجهم.

 ولكن السؤال هنا؛ ماذا عن طلبة الطب الذين تستمر دراستهم لسبع سنوات، لتضاف إليها فترة ثلاث سنوات على أي تخصص آخر، ويتأخر في اعتماده على نفسه هذه الفترة حباً في هذه المهنة الشريفة والمهمة، فهو يشعر أن كل زملائه استقروا في أعمالهم وبدأوا حياتهم، ولعل أصدقاءه الذين تخرجوا معه من ذوي التخصصات الأخرى، قد ترقوا في وظائفهم وهو لا يزال حديث التخرج، إلا أن وزارة الصحة في الإمارات أبت إلا أن تزيد هذه الفترة عاماً كاملًا، بحجة أنه يجب على أي طالب طب أن يجتازها، وهي فترة التدريب ويسمى خلالها بطبيب امتياز.

وتتراوح مرحلة الامتياز بين العام والعامين، حسب الدول، ويتركز عمله على كتابة تقارير دخول وخروج المرضى للمستشفى والمتابعة اليومية لهم، ومعاينة المرضى في العيادات الخارجية وأقسام الطوارئ، ولكنه يراجع الطبيب المقيم أو الأخصائي، حيث لا يتحمل أي مسؤولية مهنية أو قانونية، بقدر ما يجب عليه التعلم وممارسة النشاط الطبي بإشراف الأطباء الأعلى منه مهنياً. ويضطر هذا الطبيب للعيش بمصروف من أهله طوال العام، ما يشكل عبئاً مادياً ونفسياً أيضاً، خاصة إذا كان من غير الميسورين مالياً، علماً أن الجهات الحكومية المختلفة توفر راتباً مقطوعاً لأي متدرب لديها بغرض التوظيف، وأحياناً تصرف رواتب لمتدربي الصيف.

كيف سيمارس هؤلاء مهنتهم بحب وجد وهم يعانون مادياً؟ وكيف سنردد دعواتنا لأبنائنا ليتعلموا الطب بدراسته الطويلة والصعبة؟

عبر أطباء الامتياز عن مشاعرهم في موقع التواصل الاجتماعي تويتر، وحظي النقاش بإقبال وتعاطف كبير من قبل الكثيرين، مما زاد البحث في هذه القضية المهمة، والتي أظهر فيها العم غوغل الذي لا ينسى التصريحات، أن الوزارة أعلنت عن حل مشكلة أطباء الامتياز في 29 نوفمبر من العام الماضي، وأنهم سيعينون على الدرجة الرابعة، وسيكون الفارق بين الأطباء المبتدئين و«الامتياز» في العلاوات فقط، وأن تكلفة هذه الوظائف تدخل ضمن الميزانية الإضافية التي وفرتها الحكومة لوزارة الصحة أخيراً (يعني العام الماضي)، وأضاف انه سيتم استحداث وظائف أخرى لأطباء الامتياز هذا العام، إلا أنها لم تر النور.

وفي هذا العام أرجعوا سبب عدم صرف رواتب لهم إلى نقص في الميزانية، وأشيع أن الوزارة استخدمت الميزانية المخصصة لهم في زيادة حوافز وعلاوة الأطباء العاملين، على حساب أطباء الامتياز. لقد قام المجلس الوطني الاتحادي بعمل مهم جاد، وهو دراسة هذه القضية والنظر فيها، ومن خلال نوابنا في المجلس، نطالب بإعداد مسودة قانون يحفظ حقوق أطباء الامتياز وتشجيع المواطنين على هذه المهنة، بدلاً من جعلها مهنة طاردة كما هو حال مهنة الصحافة وغيرها.. أم أنه محرم على المواطنين الإبحار في التخصصات المهنية!

كما نرجو تفسيراً من قبل المسؤولين في الوزارات والجهات الحكومية المعنية، لتوضيح أسباب الخلل والعوائق التي تحول دون تخصيص ميزانية لطلبة الامتياز، تكون ثابتة ومحددة، ومدرجة سنوياً.. ولا أعتقد أن الميزانية المخصصة لهم ستكون بهذه الضخامة التي يعتقدها البعض.