وحدهم الأطباء والمعلمون، يضحون بوقتهم وجهودهم، بكل صمت بعيدا عن الضجيج، على الرغم من امتلاكهم للشهادات والدرجات العلمية الرفيعة، تذكرت هذه الحقيقة قبل أيام، عندما كنت في زيارة لمدرسة الإبداع النموذجية للبنات في دبي، وشاهدت نماذج من كفاح المعلمات العظيم، مع الصغيرات، هذا الكفاح الذي يستغل البعض عشر معشاره، ليصنع لنفسه جبلا من الشهرة، وأبراجاً من الصيت.

كنت مدعوة للمشاركة في أسبوع المكتبات لتقديم ورشة عن كتابة القصة للمعلمات، وذلك في مكتبة المدرسة، ولكني فوجئت بالمكتبة ملأى بالصغار من الجنسين عندما دخلتها، وكانوا جميعا منهمكين مع إحدى المعلمات في نشاط جميل يعلمهم معنى الأثر، كانت المعلمة تعطي كل واحد منهم عجينة كبيرة في صحن ورقي، يغط قدمه فيها، فتتشكل صورة قدمه فيها، ويأخذها فرحا معه، المثير في الموضوع أن هذا النشاط لم يكن ضمن مادة العلوم وإنما كان نشاطا مصاحبا لقصة أطفال عن نفس هذه الفكرة، قامت المعلمة بتقديم القصة، وعرض لوحة تعريفية عن آثار أقدام الإنسان والحيوان، إضافة إلى ذلك النشاط العملي، الذي تطلب منها الجلوس على الأرض، لتعجن العجينة وتقطعها، وتشرف على كل طفل وهو يغط قدمه فيها، كل هذا ضمن حصة القصة التي كان يمكن أن تقدمها بأقل بكثير من هذا الجهد.

الجميل أن صفا من أولاد مدرسة القيم جاؤوا بالخطأ إلى مدرسة الإبداع، واستمتعوا بهذا النشاط الطريف، دون حدوث أي ارتباك في البرنامج المعد مسبقا في المكتبة.

الحديث عن جهود المعلمات الرائعة في عملهن يقودنا إلى الحديث عن البيئة التي توفرها الإدارة لهن، كما يقود إلى الحديث عن فكرة المدارس النموذجية في الدولة، هذه المدارس التي لو عممت وتوسعنا في إنشائها، لكفانا الله شر الصداع في مجال التعليم.

زرت أكثر من مدرسة نموذجية في الدولة ضمن الأنشطة الخاصة بقصة الطفل، وكان انطباعي دائما عنها بأنها الفكرة الأفضل والأنجع للتعليم في بلادنا، ومن المؤسف أن الاهتمام بها صار متباينا بين إمارة وأخرى، وكأنها كفكرة إبداعية في عمر التعليم عندنا قد توقفت عند بداياتها الأولى.

في النموذجيات هناك بيئة جميلة ومريحة للتلاميذ من ناحية المبنى والعنصر الجمالي وتوفر الظل وأماكن الترفيه، وواضح أن ما يساعد على ذلك هو توفر السيولة المادية، أكثر من المدارس الحكومية العادية، حيث تفرض هذه المدارس رسوما تكاد تكون رمزية مقارنة بالمدارس الخاصة، ولكنها تذهب كلها لمصلحة الطلبة وليس لشيء آخر.

في النموذجيات عادة هناك تميز في الإدارة، يظهر من خلال بيئة العمل النشيطة والمفعمة بالتعاون والذاتية لدى المعلمات، وللحق فإن الإدارات الرائعة والمعلمات المتفانيات موجودات في معظم، إن لم يكن، كل المدارس الحكومية، ولكن التميز يتضح أكثر هنا، لأسباب لعل المادة إحداها.

الحديث عن التعليم الحكومي والخاص، والحكومي والنموذجي، عرض كثيرا ولم يحدث التغيير المنشود حتى الآن، وفي ظل توفر النماذج وبعد كل هذه السنوات من الدوران في حلقة شبه مفرغة، لم تمنحنا ما نأمل، وربما أحسسنا بالتراجع في منجزنا التعليمي من خلالها، آن لنا أن نختار الأفضل لأبنائنا في حاضرهم ويومياتهم، وفي غدهم ومستقبلهم.