يقال بأن الحكيم يناقش الأراء، والجاهل يجادل في الحقائق، وعليه فإن الحوار بينهما لن يكون عقيماً فقط، وإنما مملاً ومتعباً أيضاً، سواء للطرفين أو للمتابعين.
وما لم يكن الفرق واضحاً، فإن كلا منا يحمل قدراً من الحكمة وقدراً من الجهل كذلك، لذا يحدث أحيانا أن نجد أنفسنا وسط حوار متعب، يجعلنا نتساءل: فيم أخطأت في كلامي؟ والعاقل من يتأمل الأمر أكثر ليكتشف نقاط ضعفه وقوته في الحديث والتحاور مع الناس، فلا يكرر أخطاءه، ويتقدم في علاقاته الاجتماعية يوما بعد يوم.
كلنا نعلم أن الحديث والاستماع من الأركان الأساسية لأية لغة، وإذا كانت اللغة كائنا حيا ينمو ويتجدد، فإن أسلوب المحادثة كذلك، يتغير مع الزمن، وأكثر ما يصيبك بالخيبة هو رؤية أشخاص ثابتين على أسلوب واحد لا يغيرانه في الحديث الذي لا يتغير، وغالباً ما يكون مستنداً على التفصيل الممل، الذي يبدع كثير من الناس فيه استسهالا وهرباً من التطوير في القدرات الكلامية.
اليوم وبعد تطور الحياة، وبعد ظهور أنماط جديدة من الحوار، من خلال الإعلام الجديد، والكثير من هذه الأنماط الجديدة قائم على التركيز والتجديد والاختصار، أصبح تقبل الأساليب القديمة في المحادثة أكثر صعوبة، خاصة في بعد المواضع المغرية بالإطالة والإسهاب، كالنصح والوعظ والخطابة، فكم من الأبناء يكره الخروج مع أبيه بسبب نصائحه التي تبدأ من لحظة ركوبه السيارة وتنتهي بالنزول منها، وكم من محاضر تحدث وطال وأسهب فنام الناس عنه، ووجد نفسه يحدث الجدران!
في مجالس العزاء ترى العجب أحيانا، وتشفق على الشخص المصاب من بعض الذين يزيدون حزنه وهمه بأسلوبهم المتعب الممل في الحديث والمواساة لدرجة لا تخفف عنه المأساة بل تزيد إغراقه فيها. وبعد أن يعيدوا المأساة لفكره ووجدانه يعودون يبالغون في تهوين مصابه مقارنة بمصائب الآخرين، وبعد ذلك ينهونه عن الحزن والبكاء، وهو في قمة صدمته وحاجته إلى التعبير عن هول مصابه.
كنت قبل أيام في زيارة تعزية لأم مكلومة بولدها، ووجدت امرأة تجلس إلى جوارها وتتولاها بالنصح والتوجيه، كان شيئا طيبا لولا أنني اكتشفت أنه من نوع ذلك الوعظ الممل، وعندما طال أكثر من اللازم، تداخلت مع المحدثة، وأوردت أمثلة من تجارب بعض المشاهير الغربيين مع الفقد، إضافة إلى قصص من القرآن الكريم والسيرة النبوية، مع تفسير الآيات (155- 158) من سورة البقرة والتي تبدأ بقوله تعالى: (ولنبلونكم). إضافة إلى تجربتي الشخصية مع الفقد.
لم أكن قد خططت لحديثي أو حضرته مسبقا، ولكني أردت إخراج المصابة بالفقد من حزنها على فقيدها ومن جو الوعظ الثقيل الذي لا يريح بقدر ما يتعب ويزيد الهموم ويكرسها، ولا يفيد بقدر ما يضر، وقد يضع هذا الوعظ الثقيل والتذكير بمصائب الآخرين، المرء تحت وخز الشعور بالذنب لأنه حزين أو لأنه يسمح لدموعه بالانهمار، وكأن الحزن والدموع عند المصائب شيء محرم أو مكروه.
المثير في الأمر أنني أنهيت مداخلتي سريعاً، وساعدت على (تغيير الجو) كما سمعت من الحاضرات، واستأذنت للانصراف، بينما تلك الأخت المتبرعة بالنصح لا تزال مستمرة في حديثها الطويل.