جوان سيدة أربعينية من جنوب إفريقيا كانت تعمل في أحد محال المجوهرات في دبي، وكانت تلفت نظري بحيويتها وابتسامتها الدائمة، واستقبالها لكل يوم وكأنه حياة كاملة جديدة، انقطعت عن زيارة محلها زمنا، ثم عندما ذهبت إليه ذات يوم وجدتها ترتدي السواد، علمت أن ابنها الشاب قد مات فجأة وهي هنا بعيدة عنه وعن أسرتها، كان أمرا محزنا جدا، ولكن جوان لم تستسلم للحزن، ولم تتغير للأسوأ، بل ظلت كما هي، تفاجئني كل مرة بشغف جديد تهديه لذاتها، تلتقطه من مفردات الحياة في بلد مختلف عن بلدها، كشغفها بالملابس العربية التي أحبتها كثيرا واقتنت منها الكثير.
ذات يوم أخبرتني بأنها لن تضيع أيامها أكثر مما حدث، وستتخلى عن وظيفتها وحلمها بتكوين ثروة صغيرة، وستعود إلى وطنها وعائلتها لتؤدي دورها الأجمل هناك، سألتها كيف ستحتمل العودة إلى نفس البيت الذي يحمل ذكريات ابنها، فقالت: بل سنترك المدينة برمتها، لقد قررت وعائلتي الذهاب إلى مدينة أخرى لبدء حياة جديدة هناك.
الذهاب إلى مدينة أخرى للبدء من جديد مسألة مرت علينا كثيراً في الأفلام الأجنبية، وكانت تثير لدي تساؤلا عن السهولة التي يسعون فيها إلى تغيير كهذا، بينما نظل ملتصقين ما استطعنا بنفس المدينة بل بنفس الحي الذي ولدنا فيه، ولكن حالة جوان سهلت علي فهم الأمر، كقرار جريء نتخذه من أجل أنفسنا، واثقين في قدراتنا وفي الغد الأجمل الذي ينتظرنا، بعيدا عن تفاصيل زمن أو حالة مرت وأصبحت في خبر كان.
التغيير قرار نتخذه في لحظة ينبئنا فيها الوقت الراهن بضرورة اتخاذه، مدركين لكل أبعاده ومتطلباته ومستعدين لها لأن البقاء في أماكننا لا يعني سوى الموت البطيء.
هذا ما يحدث سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات، والتغيير شيء والاندفاع والتهور والهروب شيء آخر، وعادة ما ننشغل بمتابعة رحلة التغيير لمن بدأها، هكذا نظل نتساءل كل يوم عن مصير الثورات العربية الأخيرة التي لا تزال تخطو في هذه الرحلة ولم تكملها بعد، وهكذا نظل تواقين إلى معرفة ما حدث لذاك الذي غير وظيفته التي ظل فيها عمرا، وذاك الذي ترك مدينته بعد عشرات السنين من حياته فيها، وذاك الذي اتخذ قرارا شجاعا وترك شريك حياته الذي لم يجد معه السعادة أبدا، وغالبا ما يجزم الناس بفشل هؤلاء في قرارهم الجريء، ويفاجأون عندما يرون الدلائل على نجاحها، ناسين أن الوضع السابق لم يكن موجودا يوما ما، وكان حدثا جديدا في حينه أيضا.
رحلة التغيير، شاقة في ظاهرها ولكن الوقود المتوفر لها في النفوس ضخم جدا، لذا يتحمل الناس هذه المشاق وينطلقون بسرعة متزايدة نحو تحقيق المزيد من الأهداف.
أخيرا فإن «رحلة التغيير» هو اسم نشاط جميل وشجاع، تقوده امرأة لم تكن لتقوم به لولا شجاعتها وتميزها، هي السيدة هالة كاظم، في هذه الرحلة، تأخذ هالة المشاركات معها من النساء إلى رحلات في الغابات والجبال، تعتمد على المشي والحوار، وأحد أهدافها المساعدة على التغيير، وهو ما يشعرن به قد تحقق كثيرا في نهاية الرحلة، كما نلاحظ، فإن جهدا شاقا يتم بذله بسعادة لتحقيق الهدف، وهكذا هي دائما رحلة التغيير.