الضرورات تبيح المحظورات، قاعدة فقهية معروفة، وتنطبق على جوانب الحياة الأخرى أيضا، ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بالآخرين فإن توضيح هذه الضروريات يصبح ضروريا، ونعلم جميعا أن الإسلام يبيح الكذب في الحرب (خذل عنا فإن الحرب خدعة)، ويكاد العالم يعيش حالة حرب دائمة، قد تهدأ أو تبرد أو تسكن أحيانا، لكن جذوتها متقدة دائمة، تغذيها صراعات البشر التي لن تنتهي إلا مع نهاية الحياة على الأرض.
تذكرت ذلك وأنا ألاحظ تعليق البعض للكثير من التصرفات الغريبة التي يقوم بها شخص ما أو يقوم بها الآخرون على مشجب الخوف من الحرب القادمة من هذه الجهة أو الفئة أو تلك، مجتمع كامل يهتز بشدة وتخلط أوراقه وقيمه وقناعاته ومبادئ وجوده واستقراره بلا (ضرورة) واضحة أو مبرر يبيح لأي كان فعل ذلك.
الأفراد المؤسسون لمجتمع ما، يبذلون جهودا مضنية، ويفنون أعمارهم في سبيل تثبيت القيم الموجودة، واستحداث قيم جديدة يرونها مناسبة، وما لم تكن هذه القيم مفعمة بالنبل والأخلاق والفضيلة، فإن المجتمع سرعان ما ينهار وينتهي تحت أول ضربة قوية يتلقاها من أي جهة كانت.
لذا فإن الحرب لا تخيف، والفقر لا يخيف، والزلازل لا تخيف، بقدر ما الفساد والظلم والقهر يخيف الجميع، الأولى جروح على الجلد، والثانية أمراض في شرايين القلب والعقول والنفوس، الأولى هدم لمبان، والثانية هدم لمعنى الإنسان وقيمه ومبادئه وتراثه من العادات والتقاليد التي أفنى الأجداد والآباء عمرهم من أجل الحفاظ عليها، إنها تضييع لكل الجهد الماضي والحاضر، وتدمير لمستقبل الجيل الآتي.
الكلمة هي بداية الخلق وهي أول وسيلة تواصل بين الخالق والمخلوق، ولقد كانت الكلمة ومازالت من أعظم الأدوات وأخطرها، وأهميتها مذكورة في كل الثقافات والأديان، لذا كان الحرص على حسن استخدامها وإلقائها واجبا على الكبير قبل الصغير، وعلى المسئول قبل الفرد وعلى الزعيم قبل الرعية.
ولقد مر علينا أناس لم نسمع كلماتهم أبدا، كالشيخ راشد رحمه الله، ولكن عمله وأثره وما غرس من قيم الخير والتسامح لا تزال باقية فينا، كجزء من تكوين شعب ومبادئ مجتمع، ومر علينا زعماء وقادة وحكام عرب وأجانب، خلطوا الحابل بالنابل في كلامهم، فصاروا هم وكلامهم أثرا بعد عين، ولم يبق من ذلك كله أي شيء ذو قيمة، لا في النفوس ولا في الطروس.
مر علينا ما يجب إعادة قراءته مرات ومرات، من آيات وحكم ومواعظ، تدعو إلى الحكمة في استخدام الكلمة، وهي ليست مجرد أقوال نزين بها مكاتبنا، بينما ما نقوله وما نفعله عكس ذلك تماما.
كثير هو الكلام الذي مر على القلوب والأسماع في الفترة الماضية، وهائل هو الأثر على مجتمع عرف بدماثة الخلق، وطيب الكلام، وحسن العلاقات، وجمال القيم، وعظيم هو الخوف من غد، نبحث فيه عن مجتمعنا الصغير فلا نجده.
لقد قاوم هذا المجتمع الغزاة، وتحمل الفقر، وانتقل من عصر إلى عصر، بكامل كرامته وتجانسه وأمنه الاجتماعي، ومن نعم الله أن حفظه من كثير مما أصاب الآخرين من عواصف الزمن، ولن يعذر الحق والتاريخ من يمزق نسيجه اليوم تحت أي عذر أو دعوى أو تبرير.