برحيل البابا شنودة الثالث بابا الأقباط المصريين يوم السبت الماضي يمكن القول إنه بالفعل رحل آخر الشخصيات المصرية العامة المحترمة صاحبة المبادئ الوطنية الراسخة التي لم تتغير على مدى أربعة عقود متواصلة، رغم كافة الضغوط ورغم عقوبات السجن وتحديد الإقامة داخل الدير.
ورغم الغضب الدائم عليه من السلطات الحاكمة في عهدي السادات ومبارك، الجميع ينظر إلى هذا الرجل العملاق نظرة إجلال واحترام على موقفه من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، والذي لم يتغير حتى آخر لحظة في حياته، هذا الموقف الذي برز بوضوح في عهد السادات برفض البابا شنودة لاتفاقيات كامب ديفيد وكافة مظاهر التطبيع مع العدو الصهيوني.
ورفضه لزيارة القدس، وتحريم زيارتها على الأقباط المصريين طالما هي خاضعة للاحتلال الصهيوني، وقد أصدر السادات أوامره باعتقال البابا شنودة على مواقفه، وعندما أخبروه بعدم جواز اعتقاله، أمر بحبسه في الدير في وادي النطرون تحت مسمى تحديد الإقامة الجبرية.
لم يتغير البابا شنوده وبقي ثابتاً على مواقفه التي عانى بسببها الكثير، وتعرض للهجوم والانتقادات الشديدة على مدى الأربعة عقود الماضية، سواء من السلطات المصرية، أو من اليهود الصهاينة والأميركان، وحتى من بعض الأقباط المصريين المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية.
وها هي مصر كلها تودع بحزن شديد هذه الشخصية الوطنية العظيمة، ويحضرني في هذا المشهد بالتحديد رحيل شيخ الأزهر السابق سيد طنطاوي في مثل هذه الأيام تقريباً في مارس عام 2010، ومن دون مجاملة ولا مزايدة يجب الاعتراف بأن خبر وفاة شيخ الأزهر سيد طنطاوي منذ عامين لم يكن له هذا الأثر المفجع والحزين الذي أحدثه خبر وفاة البابا شنودة في الشارع المصري.
ولا حتى جزء قليل منه، بل كتب الكثيرون بعد وفاته مباشرة يقولون إنها نهاية لأسوأ عهد عاشه الأزهر، والفارق بين طنطاوي والبابا شنودة شاسع وبين للغاية، فعلى العكس من البابا شنودة كان موقف طنطاوي من إسرائيل، حيث لم يكن يخجل من مصافحة قادة الكيان الصهيوني والجلوس معهم في المؤتمرات على طاولة واحدة.
ولم تثنيه الانتقادات الحادة على مصافحته لرئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز عام 2008 عن معاودته الجلوس مع نفس الشخص على طاولة واحدة في العام التالي في كازاخستان، هذا إلى جانب العديد من مواقفه السياسية المرفوضة، مثل تأييده للغزو الأميركي للعراق ومعاقبته لأعضاء لجنة الفتوى في الأزهر الذين طالبوا بمحاربة الأميركان في العراق واعتبروا القتلى العرب هناك شهداء.
كما استقبل طنطاوي الفرنسي ساركوزي عام 2003 وكان وزيراً لداخلية فرنسا آنذاك، وعبر له عن تأييد الأزهر لموقف الحكومة الفرنسية من قضية الحجاب وتحريمه في فرنسا، وكان لطنطاوي فتوى عام 2007 بجلد الصحافيين المصريين الذين نشروا أخبارا تقول إن الرئيس مبارك مريض.
من الظلم والإجحاف المقارنة بين الشخصيتين، لكن الحزن العميق على رحيل البابا شنودة في هذا التوقيت العصيب في تاريخ مصر لا يأتي لأنه كان أفضل من السابقين أمثال طنطاوي وغيره، بل لأن اللاحقين الموجودين الآن على الساحة ليسوا على مستوى البابا شنودة ولا هم أفضل بكثير من طنطاوي.
ولا أعتقد بأن مواقفهم من قضايا الأمة المصيرية، وخاصة قضية الصراع مع العدو الصهيوني تختلف كثيرا عن مواقفه، إن لم تكن أسوأ منها، وها نحن نسمعهم يتسابقون في إطلاق الشعارات الرنانة والوعود بالخدمات للشعب، بينما يغضون البصر ويصمتون عن قضايا الوطن، مثل قضية التمويل الأجنبي وتهريب المتهمين فيها، وقضية تصدير الغاز لإسرائيل، ولا نسمع البرلمان الجديد ولا مرشح واحد للرئاسة ينطق بكلمة واحدة ضد أميركا وإسرائيل، بل مازال معظمهم يراهن عليهم ويسعى لاكتساب تأييدهم ودعمهم مثلما كان يفعل نظام المخلوع مبارك.
لهذا أقول عن البابا شنودة إنه بالفعل آخر الرجال المحترمين.