كما وعد موقع ويكيليكس في ديسمبر الماضي، فقد بدأ نشر عدد من الوثائق المتعلقة بطريقة عمل قطاع "الاستخبارات الخاصة" الأميركية، وذلك باستخدام مركز "ستراتفور" في ولاية تكساس كدراسة حالة. وبعد ادعاء القائمين على الموقع بأنهم قاموا باختراق نظام ستراتفور، للحصول على الملايين من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة، فقد بادروا بنشر الدفعة الأولى من تلك الرسائل. وما تشير إليه بشأن أجهزة الاستخبارات الأميركية، يجعلني أبعد ما أكون عن الشعور بالاطمئنان.

لقد استعانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية منذ وقت طويل، بشركات استخبارات خاصة للقيام بـ"عمليات سوداء"، مما يتيح لها الإنكار في حال انكشاف أمر العملية وتعرضها للتهديد بمساءلة الرأي العام. لكن رسائل البريد الألكتروني هذه، تشير إلى أن هناك أموراً أبعد بكثير مما تراه العين، بالنسبة لافتقار أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى الكفاءة.

يبدو أن الكيانات المكلفة بالحفاظ على أمن أميركا، بحاجة لدروس شاملة تستقيها من القطاع الخاص حول كيفية أداء عملها. ووفقاً لما ورد في رسالة مسربة كتبها جورج فريدمان الرئيس التنفيذي لـ"ستراتفور": "طلبت منا مساعدة قوات مشاة البحرية الأميركية وغيرها من منظمات الاستخبارات الحكومية، لتدريبهم حول كيفية قيام ستراتفور بعملها، وتدريبهم لتصبح شركات ستراتفور حكومية. ونحن نبدأ هذا المشروع عن طريق إعداد توقعات لمدة ثلاث سنوات لقائد سلاح البحرية.. ويعد هذا شرفاً مضاعفاً بالنسبة لنا". شرف مضاعف بالنسبة لك، ورعب مضاعف بالنسبة لنا!

هل تعرفون كيف يعمل الكثير من هذه الجماعات في قطاع الاستخبارات، خاصة المزدهر؟ الرئيس التنفيذي للشركة، الذي يكون موظفا سابقا في الجهاز وتكون له صلاحية الاطلاع على تقرير "سري للغاية"، يجتمع مع العميل الخاص أو الحكومي لعرض خدمات مجموعته، ثم يقوم بتمرير التحليل لأحد الأشخاص النظريين التافهين، الذي تم إقحامه في سوق العمل الواقعي بعد إهدار عقد جيد، أو أنه يقوم بجولة جماعية كالتي تنظمها مدارس "آيفي ليغ" باستخدام البطاقة الائتمانية الخاصة بوالده أو والدته. باستثناء بعض الحالات المحدودة، هؤلاء هم الذين يقومون حقاً بالعمل الذي من شأنه حماية مصالح أميركا.

يواصل البريد الإلكتروني: "أضف إلى ذلك، حقيقة أن غرفة التجارة التركية... طلبت منا ترؤس احتفالهم بالذكرى الأربعين، وأن وزيري الخارجية والطاقة التركيين سوف يتحدثان في هذه المناسبة، ويمكنكم أن تروا كلاً من الاعتراف العالمي والتزامنا بالحديث بالكلمات نفسها في كل بلد. ويمكننا أن نخدم العالم من المنصة ذاتها".

هل هي خدمة العالم من منبر واحد؟ التحدث بالكلمات نفسها إلى كل بلد؟ إن هذا، بحسب اعتقادي (أو على الأقل بحسب ما آمل)، هو حيثما تختلف شركات الاستخبارات الخاصة والوكالات الحكومية. ويتم إخضاع ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، "الذي "يخدم العالم" من خلال برنامجه، للمحاكمة بتهمة كونه جاسوساً. لكن في عالم الاستخبارات الخاصة، فإن الولاء الوطني ليس مهماً بقدر الدولار القوي.

إن الضمانات الوحيدة في هذا النظام بأكمله، هي الأخلاق الشخصية للأفراد المعنيين، الذي يتم، على ما يبدو، اختباره بشكل منتظم. وهنا تكمن المشكلة الأكبر مع هذه الصناعة برمتها. معظم الناس لديهم الاستعداد للقوادة في سبيل الحصول على راتب أكثر من التمسك بالأخلاق، وغالباً ما يفتقرون إلى المعرفة المتطورة والحكمة والتبصر، لإدراك الآثار المترتبة على أفعالهم وقراراتهم.