نهاية حياة أي ديكتاتور تشكل حدثاً سياسياً، إذ تحدد مصير النظام فيما لو جاءت مأساوية أو تؤشر إلى ذلك في حالة الوفاة الطبيعية.
الخاتمة المأساوية تضع حداً لسيرورة النظام الاستبدادي حتماً. هكذا كانت نهاية حياة نيكولاي شاوسيسكو وجمهوريته الرومانية في العام 1989. هي خاتمة صدام حسين ودولته التكريتية 2003. هي مصير معمر القذافي وجماهيريته الليبية السنة الأخيرة.
وفاة قادة الأنظمة الاستبدادية ليست مسألة خاصة كما هي في النظم الديمقراطية. سيرورة الأنظمة الشمولية متينة على سيرة قادتها، وكل منهما رهينة الأخرى. مع رحيل هواري بومدين بدأ العد التنازلي لنظام جبهة التحرير الجزائري.
النظام السوري ليس استثناء، إذ ظل أسيراً لبانيه حافظ الأسد. تلك حقيقة لم يكن الذين جنحوا إلى ابتداع التوريث الجمهوري قد أدركوها. الغالب أنهم لم يكونوا مهيئين للاعتراف بها.
المجاهرة بتلك الحقيقة تعني حينئذ فتح جبهة تغيير حتمي من أجل إنعاش نظام دخل مرحلة الغيبوبة مع مرض الرئيس.
بقاء حافظ الأسد على سدة السلطة في سوريا ثلاثة عقود لا يعني قوة بناء النظام. وفاة الأسد داخل قصر الرئاسة، وهو الرئيس السوري الذي نعم بهذا الشرف، لا تعني تمتع النظام بالعافية. بروز الطبيب الشاب بشار كأول رئيس سوري يصعد بأسلوب سلمي وبدون انتخابات حرة، في الوقت نفسه سابقة، لا تمنحه قدرة استثنائية على النجاح، كما أن ذلك لم يعط النظام قوة على مقاومة الموات.
وحده حافظ الأسد كان لاعباً استثنائياً يحذق مهارة استثمار التناقضات في الداخل، والتقاطعات الدولية على خارطة المنطقة في الخارج. بمهارة مزاوجة القوة والمرونة بنى حافظ الأسد نظاماً براغماتياً، في أحشائه الداخلية أمراض قاتلة، وعلى محياه قناع مقنع، إن لم يكن جاذباً. بهذه المهارة المزدوجة استقطب حافظ الأسد قاعدة شعبية في الخارج انعكس فائضها على الداخل.
على هذه القاعدة أحكم الرجل قبضته على الحزب والجيش، وأقام «دولة الخدمات الأمنية» في الداخل، وقدم سوريا في ثوب «دولة الممانعة» في الخارج. ذلك سر حافظ الأسد غير القابل للتوريث. بنهاية الرئيس فقد النظام حيثيات القدرة على البقاء.
بعد رحيل الرئيس الأب بدأت سوريا مرحلة الارتباك المفضي لا محالة إلى عدم الاستقرار. بين أجنحة متصارعة داخل النظام وجد أركانه في صعود شاب حديث العهد بالسياسة فرصة للتحرر من الارتهان إلى القائد الأوحد، وبين وجوه جديدة صاعدة مع الرئيس الشاب صنعت القبضة الحديدية على الداخل.
في محاولة لإصباغ وجه حداثي لنظام شائخ أظهرت القيادة الهجين تجاوباً مع ما بات يعرف بـ«ربيع دمشق». الارتباك الداخلي جعل من الصعب الذهاب في ذلك المشوار إلى حد موسم القطاف. وعلى الصعيد الخارجي فقد النظام الجديد براعة الرئيس الراحل في اللعب على تناقضات الحرب الباردة ومهارة الانتقال من جهة إلى أخرى، بدون فقد قدرة الحفاظ على الإتزان والتوازنات.
ومن ثم فقدت دمشق بوصلتها السياسية في المنطقة. هكذا ارتبكت في يد دمشق الأوراق اللبنانية والفلسطينية والعراقية على طاولة اللعبة السياسية الإقليمية. الاضطراب الخارجي انعكس سلباً على الجبهة الداخلية.
هي جبهة مأزومة بأمراض نظام استبدادي مزمنة. وعجز الورثة تبدى في الإخفاق؛ إزاء استيعاب التغييرات المنبثقة في المنطقة في موسم الربيع العربي. قصور النظر والافتقار إلى البراعة السياسية أديا إلى إهدار الفرص لإعادة بناء العلاقة بين الشعب والقصر على أسس حداثية. بدلاً من تلك الرؤية الثاقبة لجأ الورثة إلى نهج التهور الأمني، لتدخل سوريا بأسرها نفق المجهول.
الركون إلى أسوأ تجارب حافظ الأسد في حماة لن يمنع إرادة التغيير الشعبية الجارفة. الإفراط في العنف لن يقود إلى قمع الشعب. في كل الأحوال سيبكي الورثة الغافلون حكماً لم يعرفوا الحفاظ عليه ببراعة الرئيس الراحل.