ونحن نشهد انقلاب الأحوال في الدنيا حولنا، ونرى جور بعض الحكام وظلمهم للناس، وتمسكهم بكراسيهم ومناصبهم، مهما كلف ذلك من دماء وأرواح، كثيرا ما نتساءل: ألا يدرك هؤلاء أنهم لا محالة ميتون؟ ألا يهابون تلك اللحظة القاسية التي يتحولون فيها إلى جسد بارد تحت التراب بلا روح؟
إن تساؤلنا منطقي جدا، ولا يعني كون المرء حاكما أنه فوق الموت وإن كان وضع نفسه فوق القانون، الذين صنعوا تاريخنا المجيد، وأوجدوه واقعا على الأرض من لا شيء، وأوجدوا لنا أمة وأرضا وحضارة مشرقة، كانوا يمشون بيننا في تواضع دون تعال أو غرور وعلم الموت أمام أعينهم، يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«كل يوم يقال مات فلان، مات فلان، وسيأتي اليوم الذي يقال مات عمر»، والحاكم وإن كان مشغولا بالحكم والسياسة وتحقيق القوة والتمكين والسيادة، إلا أنه أجدر الناس بالتأمل في ذلك الجانب الأكثر قسوة وواقعية، والأكثر صدقا ووضوحا في الحياة، ولكن بعض الحكام أصحاب الجاه والسلطان الذين تمكنوا من مصائر وحياة شعوبهم وأممهم الإسلامية، بتاريخها وحضارتها ومآذنها.
وعلمها وأدبها ومجتمعها، ارتفعوا على شعوبهم، وظنوا أنهم مرتفعون عن الموت وعن حقائق الحياة، تماما كنمرود ونيرون وفرعون وقارون، نهاياتهم معروفة وهم يركضون إليها ظانين أنهم يركضون إلى المجد المخلد، يفرون من الموت وهو ملاقيهم، ولكن ما يضيع تحت أقدامهم الدنسة كثير وغال وثمين، ودم مسلم واحد أعز عند الله من الكعبة.
وهم الأبدية، هو ما يعيشه هؤلاء، وكأن حكما نهائيا بالموت لا ينتظرهم، وهذا الوهم أو الأمل في الحياة هو من نعم الله على عباده وإلا لماتوا رعبا وهما وغما عند إدراكهم ما ينتظرهم، إلا أن الفكرة أقوى من الشعور، والعاقل يخضع شعوره الجميل للحق، فيعمل لدنياه واضعا آخرته نصب عينيه، ولقد روي عن حاكم العراق السابق صدام أنه قال أثناء الحصار: «هناك إيمان تولد لدينا...».
وأظن أن الحصار أخرجه من وهم الأبدية قليلا إلى استشراف النهاية الحتمية لكل حي.
الخوف من الله ومن المصير السيئ، هو نعمة النعم للحاكم، أي حاكم في العالم، لأن ما سيقدمه لشعبه سيكون أفضل المتاح والممكن في حينه، فالحاكم المؤمن لا يغره أمل بالتوسع أو وعد بمزيد من التمكين، أو تلويح بعرش أعظم، فيبيع شعبه أو دين شعبه أو عادات شعبه أو عرفها، المؤمن يعلم بأنها إنما أيام أرزاقنا فيها مقدرة، وآجالنا محسومة، والشر لن يثمر خيرا أبدا.
من نعم الله على بلدنا الحبيب، أن حكامه كانوا ومازالوا يرعون شعوبهم بهذه المثل والمبادئ، ولئن تغيرت الحياة واستجدت المستجدات فإن الخير فيهم باق بإذنه تعالى، وإن من أكثر ما يدهش الناس حولنا، هو حبنا لحكامنا، وكثيرا ما سألونا: هل فعلا تحبونهم؟ فنجيب: نعم، وكيف لا، وقد فتحنا أعيننا على اهتمامهم بشعوبهم، ورحمتهم بهم، وتلمسهم لحاجاتهم.
إن المحافظة على العقد الغير مكتوب بين الحاكم وشعبه كان ولا يزال صمام الأمان لمجتمعاتنا الخليجية، وعلى مدى الزمن كان كلا من الشعب والحاكم عارفا بحقوقه وواجباته ودوره في بناء الوطن وأمن المواطن وصون المجتمع بكل إرثه وتاريخه ومكتسباته.