مع التوغل في دم الشعب أحد عشر شهراً ويزيد يفقد نظام الأسد القدرة على التصدي لشلال غضب السوريين من أجل الكرامة والحرية والعدالة. بعد تقديم أكثر من ستة آلاف شهيد يستحيل التعايش بين السوريين والنظام.

شعب قدم مثل هذا البذل السخي بهذه الجرأة النادرة لن يرضى الرجوع إلى البيوت خانعاً قانعاً. الحديث عن ولوغ عصابات مسلحة في دماء أبناء وبنات الوطن وأطفاله يفضح عجز النظام ويبرر رحيله. مع اتساع دائرة العنف يفقد النظام قدرته على الصمود إذ تبدو سوريا مقبلة على دوامة عنف يفقد النظام فيها دور اللاعب الرئيس.

بما أن الثورة السورية آخر رياح الربيع العربي العالقة فلا مناص من المقابلة. سوريا ليست تونس أو مصر أو اليمن. في تونس هرب بن علي، في القاهرة تنحى مبارك، في صنعاء رحل صالح. بشار الأسد يرفض الامتثال.

النظام السوري يستثمر رخاوة خصومه في اللجوء إلى العنف. في الداخل يواجه الأسد معارضة متشققة. في محيطه الاقليمي يجد موقفاً عربياً يفتقد الوحدة. على الصعيد الخارجي يستفيد من انقسام الموقف الدولي.

في القاهرة رفض الجيش إطلاق النار على الشعب فلم يجد مبارك جداراً يسند ظهره. في دمشق لا يتردد الجيش في مطاردة الشعب بالدبابات والأسلحة الثقيلة. في صنعاء ارتضى النظام صيغة إصلاح اقليمية بينما يصر الأسد على إملاء رؤاه باعتباره خارطة إصلاح.

بعد كل هذه التضحيات لم يعد هناك متسع للكلام عن خارطة إصلاح يرسمها الشعب والنظام. الأسد أهدر فرصاً عديدة بدا إمكانية إنجاز مشروع ديمقراطي فيها ممكن. مثل كل الدكتاتوريات رفض النظام الاعتراف بحق الشعب في صناعة مستقبله.

رغم كل ذلك فإن حسم الأزمة السورية يبدأ من الداخل وليس من الخارج. وحدة المعارضة تشكل حجر الزاوية في بناء جبهة داخلية ضاغطة. وحدة المعارضة تبني بدورها موقعاً إقليمياً موحداً. الموقف العربي الصلب يفضي إلى إجماع دولي.

اتساع انسلاخ الضباط من الجيش وتعدد انحياز القيادات السياسية إلى المعارضة يجبر القوى الخارجية المؤثرة على إعادة حساباتها. روسيا تتخذ مواقفها بناء على مصالحها في سوريا وفق موازين القوى داخلها. جهات إقليمية متباينة تغمس أصابعها في الشأن السوري. مع تصاعد العنف المتواتر لن يصبح التدخل وقفاً على الأصابع.

في سوريا ربما لا يصلح تطبيق السيناريو الليبي. سوريا تتجسر أقطاراً عدة ليس حولها فضاء كما ليبيا. سوريا تضج بفسيفساء قابلة شظاياها عند التطاير لحرق الجوار. التدخل الخارجي في دوامة العنف المرتقبة يجعل سوريا مرتعاً لمقاتلين متعددي السحنات واللكنات وغابة سلاح وعرة.

الشعب السوري يستأهل خياراً أفضل من مثل هذا الحريق المتوقع. قدر السوريين ان يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم لتجنيب وطنهم مغبة الانزلاق في مستنقع حرب لن يتمكنوا من إطفاء نارها إن اشتعل أوارها. إخفاق المعارضة في رص الصفوف موحدة تحت مظلة ديمقراطية يحرض النظام على زيادة حمام الدم وإزهاق الأرواح.

النظام وصل مرحلة اللاعودة من منطلق أنا أو الطوفان. ربما لن يكون في وسع القوى الاقليمية وقت أفضل من هذه المرحلة للضغط على روسيا من أجل رفع غطائها عن النظام بغية احتواء الحريق قبل استفحاله.