ما شهدته مصر خلال الأشهر الماضية من أحداث مؤسفة، يأخذ شكلاً تصاعدياً في القوة وحجم الخسائر وأعداد الضحايا، ويعكس في نفس الوقت وجود تخطيط دقيق من جهات محددة، كما تعكس وجود إنفاق مالي كبير عليها، حيث تستخدم فيها جماعات بشرية بأعداد كبيرة، لا يمكن لها أن تتحرك لتقتل وتخرب وتسرق وتروع إلا إذا كان هناك مقابل مالي مغرٍ وثقة كبيرة في عدم مساس أجهزة الأمن بها.
وما حدث في الأيام الماضية في استاد بورسعيد وفي شوارع القاهرة، وعمليات السطو على البنوك ومهاجمة السائحين، وغيرها من الأحداث، كلها مخطط لها بدقة، بحيث لا يتعارض أحدها مع الآخر، لا في المكان ولا الزمان.
لقد أصبح هناك شبه إجماع على أن الثورة المصرية مستهدفة من جهات عدة يجمعها هدف واحد، وهذا الهدف هو "بقاء الحال على ما كان عليه" حتى لو تغير النظام الحاكم. وهذا الهدف يخدم مصالح جهات أجنبية وجهات داخلية أيضاً، وهذا أمر ليس جديداً، فقد سمعنا المجلس الأعلى العسكري يحذر من هذا الأمر أكثر من مرة، وفي أعقاب أي أحداث مؤسفة يقع فيها ضحايا، يخرج علينا المجلس العسكري ببيانات وتصريحات يؤكد فيها أن مصر مستهدفة من جهات خارجية وداخلية، وهو ما تضمنه البيان الأخير للمجلس في أعقاب أحداث بورسعيد.
لكن المجلس الموقر لا يريد أن يفصح عن هذه الجهات ويكشف هويتها، الأمر الذي جعل البعض يتعامل مع تحذيراته بعدم الاهتمام والمبالاة، ويشبهها بتحذيرات النظام المخلوع التي كانت تستخدم لدفع الشعب للالتفاف حول النظام وتأييده.
ولكن الأمر الآن يختلف تماماً عما كان عليه قبل الثورة، حيث كان نظام مبارك المدعوم من إسرائيل وواشنطن ومن جميع جيرانه العرب، يختلق ويصطنع الأعداء، أما الآن فلا أحد يختلف في أن أعداء الثورة المصرية كثيرون ومعروفون، وهم في الخارج أكثر من الداخل، ولا يخفى على أحد ما بذلته الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهود كبيرة لفرض هيمنتهما ونفوذهما على مصر في عهد مبارك، وقد تأتى لهما ذلك بشكل كبير.
ومن المؤكد أيضا أن هاتين الجهتين لن تتركا مصر تضيع منهما، أو حتى تخرج من تحت نفوذهما، وستبذلان كل جهودهما لفرملة عجلات الثورة وإبطاء اندفاعها، حتى يحدا من طموحاتها ومن جنوحها ضد مصالحهما.
وما يحدث الآن ما هو إلا خطة لإغراق مصر في مشاكل داخلية معقدة، تلهيها أولاً عن التفكير والإعداد لسياسة خارجية جديدة مخالفة لما كانت عليه في عهد مبارك، وفي نفس الوقت محاولات ومساعٍ جادة ومخطط لها، للهيمنة على مراكز صناعة القرار "القادمة" في مصر.
ما يحدث الآن في مصر هو البدايات وجس النبض، وما خفي هو الأعظم، ولا أشك في وجود سيناريوهات وخطط معدة لتفجير الأوضاع في مصر بشكل أوسع، وليس من المستبعد أن تدخل مصر في سيناريو التفجيرات والعبوات المفخخة في أماكن التجمعات.
ومن يستخدمون السيوف والسكاكين الآن سيحملون الأسلحة والمتفجرات غدا، ولا نستطيع أن نصف "إهمال سؤال الأمن" على مدى عام مضى، بأنه مجرد تقصير وخطأ غير مقصود، كما أنه ليس عفوياً ولا أمراً عادياً على مدى عام كامل، أن يغرق الناس في قضايا الانتخابات والدستور والإخوان والسلفيين والحلال والحرام وغيرها..
ولو كان المجلس العسكري أعطى جهوده كلها لتحقيق الأمن للمواطن، لرفعه الشعب فوق الرؤوس ولتركه يقرر ما يشاء، لكن ثورة الشك المشتعلة بين الشعب والمجلس العسكري، سببها الرئيسي قضية الأمن، والمجلس العسكري يملك السلطة والقوة لتحقيق الأمن "لو أراد"، ويجب أن تتوافر لديه الجرأة والشجاعة والضمير الوطني، ليكشف للشعب عن الجهات الخارجية والداخلية التي يحذر منها مراراً وتكراراً، وإلا سيتحمل هو المسؤولية كاملة.