حينما يحل الربيع لن تستنشق دمشق بوح الياسمين. روائح الدخان والنار والبارود أقرب إلى فرندات بيوتها وشرفاتها العام الجاري. ربما يصبح مألوفاً مشهد الدم على الأرصفة. رائحة الموت تتربص بالشام إذ تنزلق سوريا نحو مستنقع الحرب الأهلية.
الشعب والنظام اخترقا خطوط الممكن والمحتمل للمساكنة. بعد استباحة الدبابات الأحياء والأزقة واستمرار الجنود في مطاردة الصبية والأطفال في مدن عدة لم يعد في صبر الشعب احتمال النظام. بعد تناثر أكثر من خمسة آلاف شهيد لم يعد سقف الوطن يسع الشعب والنظام في وقت واحد.
منذ بدء الانتفاضة السلمية حذر عقلاء وخبراء أصحاب القرار من الإنجراف نحو أبواب الجحيم. الحلول السياسية ليس من طبع النظام. هذه سلطة مجبولة على فرض الحل القسري والخيار الأوحادي والخط الواحد والرئيس الأوحد.
منذ بدء تصدي الأمن للمتظاهرين صاح الناصحون على المنابر العنف لا يولد إلا عنفاً. لم تكن آذان القابضين على مقاليد الأمور مهيأة للاستماع. ضيق الأفق وليد حتمي للإنغلاق العقلي. الصدام اليومي المشرب بالدم بلغ حداً من الاستحكام تتناسل منه خيارات التصعيد ولا يفرز إمكانية الرجوع إلى الزمن القديم.
بعد أكثر من عشرة شهور وكثير من الصمود الجريء في وجه القمع المفرط بالبشاعة لن يرضى السوريون غير قطاف الربيع.
سوريا ليست استثناء. القيادات في دمشق كما في تونس والقاهرة وصنعاء لا تستوعب حركة الشعوب وحراكها. الأزمة في الأنظمة المستبدة ليست في الشعوب التواقة للحرية والكرامة والعدالة. أزمة القيادات الشمولية تكمن في عدم تعلم مهارة الإصغاء. هي وطدت نفسها على الإملاء. لذلك تهدر فرص الحلول الممكنة.
الشعب السوري ليس استثناء بين الشعوب صانعة الربيع العربي. مطالبه ليست مستحيلة. في البدء رفع السوريون شعارات الإصلاح. لما تأبى النظام مستعصماً بالمكابرة لم يكن يدرك أنه يهدر فرص الحلول السورية ـ القطرية ـ الوطنية. ممتلئاً بالغطرسة الجوفاء رفض النظام كذلك الإصغاء للجهود العربية. حينما رأى بوادر العاصفة الضاغطة بالعقوبات عمد إلى الاحتواء والمراوغة. هكذا يهدر النظام مرة أخرى فرص الحلول الاقليمية.
دمشق ليست استثناء إذ لم تستوعب سيرة الأنظمة المتزامنة في مدارات الربيع العربي. كلما استحكمت الأزمة الداخلية أمام الحلول الاقليمية تنفتح الأفق أمام التدخلات الأجنبية. الرهان على جيبوليتيكية سوريا يضعها أكثر من غيرها في مهب التدخلات الأجنبية.
سوريا جبهة ساكنة على الخطوط الإسرائيلية. ساحل سوريا يشكل حدود روسيا الجنوبية الدافئة. الشام جسر بين لبنان والعراق وإيران. سوريا جارة تركيا الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم بعد الصين. على هذا الساحل والجسر تتلاقى وتتفرع مصالح عديدة في اتجاهات متباينة على مسارات سياسية واقتصادية وعسكرية.
الحديث عن حرب أهلية يشكل إدانة لنظام يعترف بعد أربعة عقود من الاستبداد باسم القومية بعجزه الفادح عن تذويب اثنيات في بوتقة قطر صغير.
للتدخل الخارجي أكثر من سيناريو. مع اقتراب الربيع وبعد أحد عشر شهراً من الصدام بين النظام والشعب تصبح الخيارات الممكنة أفضل مما هو كائن. النظام لم يكن مهجوساً إلا بوجوده فكل الإثنيات تعرضت للخسف. احتمال الانفجار من الداخل يؤمن ربيعاً أكثر هدوءاً للسوريين وأقل كلفة.