قبل أيام حضر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله ورعاه، حفل تخريج الدفعة الحادية والعشرين من كلية دبي الطبية للبنات، والذي تزامن مع اليوبيل الفضي للكلية بمرور خمسة وعشرين عاماً على افتتاحها في عام 1986، وكرم سموه المتفوقات من دفعة هذا العام، كما كرم المتميزات من خريجات الكلية على مدى السنوات الماضية. ولقد كتب سموه معبراً عن سعادته بذلك في صفحته في التويتر قائلاً: "سعدت اليوم بحضور تخريج مجموعة من بناتنا الطبيبات من كلية دبي الطبية للبنات".

والحديث عن هذه الكلية يعني الحديث عن الإنجاز والإبداع والتصميم والعطاء، الذي تميز به أهل هذا الوطن، قادة وشعباً، والحديث عنها هو جزء من حديثنا عن أنفسنا وتاريخنا وثقافتنا، فمنشئ الكلية هو سعيد بن أحمد آل لوتاه، وهو شخصية جمعت بين كثير من الصفات الفذة التي جعلته ينشئ هذه الكلية، كما جعلته قبل ذلك ينشئ أول بنك إسلامي في العالم ألا وهو بنك دبي الإسلامي.

وإحدى نقاط التحدي في كليته هي اختصار سنوات الدراسة من سبع إلى خمس سنوات، مع عدم الإخلال بعدد الساعات الدراسية المطلوبة في كليات الطب عادة. وكأي فكرة جديدة لقيت الكلية بعض الصعوبات في بداياتها، ولكن مع الأيام ومع تميز عدد كبير من خريجاتها في مجالات تخصصاتهن الطبية، ترسخت الثقة بالكلية، وصار عدد طالباتها في ازدياد. وعلى مدى السنوات كان دعم الحكومة لهذه الكلية كبيراً، ومنذ إنشائها، وهذا ما مكّنها ومكّن خريجاتها من مواصلة العطاء.

الحديث عن هذه الكلية يقودنا للحديث عن إنجازات ومشروعات متميزة أخرى قام بها أفراد من هذا المجتمع، أفراد نشؤوا على حب الدين والأهل والوطن، وعلى مشروعية الحلم والإيمان بالقدرة على تحقيقه. جمعة الماجد أحد هؤلاء الرجال، حيث أنشأ في دبي أحد أكبر مراكز حفظ المخطوطات.

وأنقذ من خلاله آلاف الكتب النادرة من الضياع، حكاية كأنها حلم طالب علم في صحراء موريتانيا، انبرى لها رجل آمن بدور الإنسان في حمل العلم والأمانة عبر التاريخ من جيل إلى جيل، وعندما سئل مرة عما يجعله يغدق على مشروعه هذا بلا حساب، قال: أنا في تجارة مع الله! ويالها من تجارة يا أبا خالد.

إن الإمساك بإنجازاتنا في أيدينا وبأصحابها في قلوبنا، هو المهمة المنوطة بنا اليوم، وهؤلاء العمالقة ما أرادوا منا شيئاً، ولكن نحن من نحتاج إلى وجودهم أمامنا وأمام أبنائنا قدوة وشعلة وجذوراً، فلنعمل على ذلك بكل ما أمكن من جهد. الحفاظ على المكان أحد الجهود المفترضة في نظري، مكان الكلية المتواضع في ذلك الحي الهادئ.

ومكان مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في ذلك الجزء القديم الجديد الواقع بين عصرين في مدينة دبي. رأيت في مدينة دسلدورف الألمانية مستشفى أنشأته امرأة قبل مئة وسبعين عاماً، وما زال محتفظاً بملامحه الرئيسية في البناء، على الرغم من بعض الإضافات على مر الزمن، صورة المرأة بالحجم الطبيعي في مدخل المستشفى، وكتيب عنها وعن عطائها يوزع مجاناً هناك، ولا شك أن اسمها موجود في أكثر من كتاب ومكان، كجزء من بنيانهم الثقافي والاجتماعي والصحي.

عوداً على بدء، فإن حضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مع ما أبداه من سعادة ألقت بظلالها البهيجة على الحفل، كان دلالة رائعة على الاهتمام والتكريم والشراكة في العطاء بين الشعب وقيادته، ودعماً واضحاً وجميلاً لمشروعات الأفراد المتميزة في شتى المجالات، وعلى الجهات المتخصصة الأخرى أن تقوم بدورها أيضا، ليأتي أحفادنا غداً ويجدوا في كل درب لهم.. دليلاً منهم.