مما روي في سيرة الرسول عليه السلام ، أنه وزع غنائم حنين فقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ولم يعط الأنصار منها شيئاً، فوجد ذلك حزنا وأسى في أنفسهم ظنا منهم أنه قد فضل قومه عليهم، فخطب فيهم خطبة مؤثرة، جاء فيها «أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشام والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت إمرءاً من الأنصار، (الأنصار شعار والناس دثار) اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».
قيل: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: «رضينا بالله رباً ورسوله قسما»، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.
نتعلم من هذه الحادثة دروسا وعبرا كثيرة، منها أن للنفس البشرية سمات ونزعات يشترك فيها جميع البشر، مهما سمت نفوسهم وعلت مراتبهم، كما نتعلم أن هذه النفس بحاجة إلى من يريحها ويطمئنها ويسكن روعها بكلام من المنطق الذي لا يخلو من نبرة الأمان وإحساس الحنان.
لا شك أن حديث صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الأخير جاء برداً وسلاماً وأماناً على قلوب المواطنين، فلقد استمع الناس إلى الصدق والشفافية مغلفة بحنان أبوي نادر أخذهم مباشرة إلى ذكرى الحاضر في أرواحنا ما عشنا، زايد رحمه الله وأسكنه الجنان، وجاء الحديث في الوقت المناسب تماما كالغيث والرحمات. ولم يكن الحديث بجماله وأبعاده وروحانيته بمستبعد على هذه الشخصية المثقفة الواعية الرفيعة صاحبة الإحساس المرهف والقلب الحنون.
الشيخ سلطان حفظه الله أحد الشخصيات النادرة والمميزة في تاريخنا، ودوره الثقافي والعلمي في إمارة الشارقة، يأخذنا مباشرة إلى زعماء وقادة التقطوا خيط الشعاع الساري عبر الزمن ووجهوه إلى شعوبهم، لتبدأ رحلة حضارة ثقافية تمتد أجيالا وأجيالا.
في التاريخ هناك خطب وأحاديث كثيرة غيرت من مجرى أحداثه، ولا أسوأ من وقوع الشعب في مأزق اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، بدون ظهور من يبين له الحقائق ويطمئنه، فهذا هو أول الطريق نحو إحباطه من جهة وازدهار الشائعات من جهة أخرى، لذا يحرص الزعماء دائما على التحدث إلى شعوبهم في مختلف المناسبات.
حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله - في الذكرى الأربعين لقيام الاتحاد من هذا النوع من الأحاديث الخالدة في التاريخ، والتي أيقظت في الشعب مشاعر وقيما ووعياً لم تفعله عشرات الكتب والمحاضرات والدروس، كما زادت من ارتباط الشعب بقيادته وارتباطه بها. وقدمت لنا كنزاً تاريخياً من المعلومات التي كان سموه شاهدا عليها منذ طفولته.
إن الزمن يمضي، فقد رحلت أجيال، وهناك جيل يتحرك بيننا اليوم نحو المستقبل لم ير زايد، وهناك جيل في مواقع العمل، لم يعرف زمن راشد، ولنا ولهؤلاء ننتظر ممن رافقهما من قادتنا تقديم شهاداتهم على ذلك الزمن الرائع، وسيرة أولئك القادة العظام وذلك التاريخ الناصع المشرف.
