رياح الربيع العربي لم تهدم فقط مؤسسات الاستبداد والفساد، بل فتحت الأفق أمام تشكيل ثقافة جديدة. المشهد السياسي يعبر مرحلة من السيولة إذ يغلب عليه مظهر الفوضى أكثر من حالة الثورة. مع الاعتراف بجهد الشباب في إحداث التغيير واستثمار وسائط الإعلام والمعلومات والتواصل الاجتماعي في الإنجاز، يحمِّل المراقبون الشباب أنفسهم مسؤولية العجز إزاء بلوغ المدّ الثوري نهاياته المأمولة. الشباب من جانبهم يتهمون السياسيين المخضرمين باختطاف الثورة.

ربما يصطدم الجانبان بجدار موروث أصم. على الرغم من وضوح الرؤى إلاّ أن أياً من الثورات لم تبلور قياداتها المقنعة من خلال الأداء على نحو يجعلها تحظى بالتقدير والاقتداء. مع إن بعض الثورات أكلت بنيها مبكراً، فإن «القطط الثورية» المخضرمة ليست هي الأخرى قادرة على مواكبة المرحلة على نحو مقنع وجاذب.

قد نجد للقيادات الشابة عذراً من منطلق طراوة التجربة مقابل ثقل أعباء المرحلة وأحمالها. هذا منطق يبرِّر في الوقت نفسه عجز القادرين على التمام.

أنظمة الملك العضود المألوفة لدينا لم تفسح متسعاً للعمل الجماعي أو تطوير قياديين سواءً موالين أو معارضين. على نقيض ذلك، عمدت تلك الأنظمة إلى تصفية أو تدمير كل شخصية تبدو عليها سمات الكاريزما.

تاريخنا أشبه ما يكون بسيرة رجال تم ترويجهم في دور الأبطال مع إن بعض هؤلاء يفتقد إلى الحد الأدنى من معايير البطولة أو حتى القيادة. ماكينات إعلامية جرى تكريسها من أجل تسويقهم في تلك الأدوار.

الحضور في موروثنا الثقافي لا يحاكم تلك القيادات بمنطق الإنجاز أو حتى الأداء. بعض رموزنا تمتعوا بحضور كاريزمي ليس من منطلق الحب بل ربما من باب الحنق أو السخرية.

المشهد «الثوري» الراهن لم ينجب قيادات من هذا الطراز أو ذاك. بما أن الأداء الجماعي ليس حاضراً في ذاكرتنا التاريخية فلا يزال المسرح يشهد حشداً من الوجوه في حالة ارتباك.

من تونس، ليبيا، في مصر، اليمن أو سوريا، تعجّ القنوات الفضائية بوجوه وأصوات يصعب حصرها لكن كلها في سيولة ليست قابلة للثبات.

غياب القيادة المقتدرة يزيد حالة الفوضى الراهنة ويطيل أمدها. هكذا يبدو مصير الثورة في ليبيا رهين ميليشيات متمردة ليست مؤطرة على نحو يجعل الدولة عاجزة عن حسم قضايا وطنية بالغة الحيوية مثل مسألة جمع السلاح.

صحيح أن القذافي تمتع بصورة كاريكاتورية، لكن لا أحد ينكر كاريزماتياته ولو على ذلك النحو الساخر.

هكذا تتوغل الثورة في مصر داخل نفق صراع بين قبضة العسكر والدولة المدنية دونما تبدو هناك قيادة قادرة على التأثير والترجيح. في ذلك تستوي كل التيارات السياسية والمجلس العسكري. لعل ذلك أحد أبرز مظاهر الأزمة في بلد تتكرَّس فيه النمطية. حتى بعد تفعيل صندوق الانتخابات، عجزت النتائج عن فرز ذلك السياسي المحنك. تلك ستصبح أزمة الانتخابات الرئاسية.

الحال هو كذلك في سوريا إذ يعجز النظام والمعارضة معاً عن تقديم القيادي القادر على رسم مخرج من المحرقة.

لعلّ الموروث النمطي منح علي صالح عمراً أطول في السلطة. أمام رياح الربيع العربي تحد حقيقي يتمثل في العصف بذلك الموروث النمطي بواسطة قيادة حداثية.