من أغرب ما قرأت مرة، أن المسلمين المتقاتلين في أحد المعارك وأظنها معركة صفين، كانوا إذا جن الليل تنقلوا بين المعسكرين يتبادلون الأحاديث والطرائف، ربما كانت هذه خاصية إسلامية قد لا نجدها عند غيرهم، ولكن لا شك أن لها أبعادها الإنسانية العامة، ففي أشد الحروب وأعنفها يحتاج المرء إلى فترات من الهدوء والترفيه، لشحن طاقاته من جهة وللتخفيف من آثار الجو المدجج بالعنف والكراهية من جهة أخرى.

أثار الحرب تمتد لتطال كل الناس الواقعين في دائرتها وليس الجنود فحسب وإن بدرجات مختلفة، والأطفال هم أكثر من يجب الاهتمام به لحمايته من آثارها، ذلك أنها تدخل في نسيج أجسادهم وعقولهم، لتشكلهم وتشكل أبناءهم من بعدهم، حاملين آثاراً مقيتة ربما أحالت كل أيامهم حروبا . أثناء القصف الأميركي للعراق قبل الاحتلال، كان عذاب الأطفال العراقيين شديداً.

وكانت الأمهات يستغثن بمن يريح رؤوسهن ورؤوس أبنائهن من ذلك العذاب، وكان أخذ حبوب الفاليوم أمرا شائعا مثل البنادول لديهم، ولا حقاً عندما دخلت القوات الأميركية العراق وبدأت باقتحام المنازل في أي وقت شاءت، فإن منظر طفل ينتفض هلعاً بين يدي والده الخائف، والجندي الأميركي المدجج بالسلاح واقفا على رأسيهما في غرفة النوم هو من الصور التي لا تغادر الذاكرة بسهولة.

خلال العام الموشك على الانصرام، فإن الحديث يمكن أن يملأ أسفارا عن عذابات الطفولة والأهوال التي شهدوها، مما أنسانا كل ما سبق من مشاهد وحروب، وعندما تسود الحرب فإن وسام السلام يجب أن يمنح لكل أب أو أم استطاعا أحدهما أو كلاهما حماية أبنائهما من آثارها عليهم.

ولا عزاء للأطفال الذين وضعهم ذووهم في بؤرة الحدث، سواء من الناحية المكانية أو النفسية. حماية الأطفال مسئولية عظيمة ولكن لا يقدر على القيام بها من كان هو نفسه غارقا في المأساة، لا يستطيع الفكاك من ضغطها عليه ولو لبعض الوقت ليرفه فيه عن نفسه وأطفاله.

القصص كثيرة عن الآباء والأمهات الأبطال في صنع السلام لأطفالهم بكل الوسائل الممكنة، كانت جدتي رحمها الله تحكي عن بقائهم مع والدتهم في المصيف خارج المدينة، حتى بعد انتهاء القيظ وذلك أثناء حرب الوهيلة في دبي في نهاية الثلاثينيات الماضية،.

وذلك بقرار من والدها لحماية عائلته، نفس الحكاية رواها لي شاب روماني، قال أخذني والدي إلى الريف أثناء الثورة على نظام شاوشيسكو، وكان قبل ذلك يحرص على تخفيف آثار الحرب علي بأخذي للسينما، وأصوات الرصاص في كل مكان، مرددا علي :

لا عليك لاشيء هناك، النتيجة هنا أن الطفل يمر بالحرب تاريخيا وليس نفسيا، يذكر خطوطها العامة وملامحها وكأنها شيء حدث قريبا من البيت ولكن ليس داخل الرأس، طبعا قد لا يتمكن الجميع من أخذ أبنائهم بعيدا، ولكن بإمكانهم جلب السلام إلى أطفالهم وبثه في قلوبهم وأرواحهم بالإصرار على الحياة والتمسك بالمرح، والمحافظة على رتم الحياة الطبيعي داخل المنزل قدر الإمكان، والكف عن التحدث عن الوضع الكائن لأنه لن يتغير بكثرة الكلام، والاستعاضة عن ذلك بالأحاديث المسلية.

الكارثة هي في الأطفال البعيدين عن الحرب والذين يعيشونها بكل رعبها وتفاصيلها من خلال الإعلام من جهة، ومن خلال والدين جاهلين رموا بأنفسهم وأطفالهم في أتونها من على بعد، ولا أدري كيف يمكن لأب مسئول أن يتابع أخبار الحروب والثورات أمام أطفاله، بل ويتناقش معهم في تفاصيلها .

بينما منظر الجثث والرؤوس المقطوعة والأعين المقلوعة يملأ الشاشة أمامهم، هؤلاء الأطفال عاشوا الحرب أكثر بكثير من الأطفال الذين حبوا آباء رائعين حموهم من آثار حرب دارت أمام أعينهم، كذلك الروماني الحنون الذي ألغى معنى الرعب في قلب طفله عندما كان يمسك بيده الصغيرة ويتمشى معه ذاهباً لمشاهدة فيلم تحت وقع الرصاص.