مؤامرة "ائتلاف الأغلبية الصامتة"

لم يسبق لي أن سمعت أو قرأت عن مصطلح "الأغلبية الصامتة" في الثورات على مر التاريخ، هذا المصطلح من إبداعات الإعلام المصري، الذي ردده كثيرا في أعقاب نجاح الثورة المصرية في خلع مبارك.

 ومن الواضح أن المقصود بهذا المصطلح وضع ثوار 25 يناير ومؤيديهم في كفة، وملايين الشعب المصري في كفة أخرى، بمعنى آخر؛ عزل الثورة عن الشعب، رغم أن الإقبال الكاسح وغير المسبوق في تاريخ مصر على الانتخابات، أثبت أن الأغلبية ليست صامتة، وأن الشعب النائم والمستسلم منذ ثلاثة عقود، أيقظته الثورة وأخرجته للنور.

لا يهمنا معنى المصطلح والمقصود من ورائه، فهذا أمر واضح للجميع، لكن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن مصطلح "الأغلبية الصامتة" كان في البداية من إبداع الإعلام المصري، الحكومي منه.

وأيضا المستقل الذي يملكه ويوجهه رجال الأعمال الذين ترتعد فرائصهم الآن خوفا على مصالحهم، التي كانت مرتبطة تماما بالمصالح الأجنبية وبنظام مبارك، والتي قامت على نهب ثروات الشعب وتحطيم دعائم الاقتصاد المصري في إطار مشاريع الخصخصة المشبوهة.

وربما هذا يفسر ما كانت تقدمه الفضائيات المصرية بعد الثورة وحتى الآن، من كثافة في استضافة أنصار النظام السابق، حتى أن رئيس تحرير جريدة الأهرام المخلوع أسامة سرايا، الذي لم يكن الكثيرون يعرفون شكله لندرة استضافته على الفضائيات، أصبح نجما معروفا بعد الثورة، من كثرة ظهوره على الفضائيات.

وهو يدافع عن الرئيس المخلوع ويبكي عليه بالدموع، وكذلك المشاغب مرتضى منصور المتهم في موقعة الجمل، وكثيرون من نجوم قوائم العار، في الوقت الذي لم نشاهد فيه أسر المئات من الشهداء ولا شباب الثورة إلا نادرا، حتى أن الكثيرين يتساءلون أين ذهب الشاب وائل غنيم ورفاقه؟

الآن تظهر خيوط المؤامرة بوضوح، بعد ظهور مظاهرة ميدان العباسية في مواجهة ميدان التحرير، حيث أطلقوا على أنفسهم في العباسية اسم "الأغلبية الصامتة"، وفوجئنا بتغطية إعلامية مكثفة لهذه المظاهرة المحدودة، خاصة من الإعلام الحكومي.

وبالتحديد قناة النيل للأخبار التي خصصت يوم الجمعة الماضية ساعات طويلة من بثها لميدان العباسية، واستضافت شخصيات على التليفون ولم يظهروا بوجوههم، رغم أن مراسل القناة كان متواجدا وسط المجتمعين في ميدان العباسية.

ومن هؤلاء المتحدثين على التليفون شخص يدعى "يسري عبد الرازق"، قال إنه من تنظيم يدعى "حركة أبناء مبارك"، وأن المجتمعين في العباسية شكلوا ائتلافا من ثلاث حركات، هي: "أبناء مبارك" و"مصطفى محمود" و"آسفين يا ريس"، وأطلقوا على ائتلافهم اسم "الأغلبية الصامتة".

الغريب أنه لم يكن هناك أي تواجد للأمن في ميدان العباسية، بينما كانت الحشود الأمنية موجهة لميدان التحرير وميادين مدن مصر كلها التي امتلأت بمؤيدي الثورة، ولم تشهد أي مظاهرة للتنظيم المزعوم "الأغلبية الصامتة". ومن الواضح أن الذين اخترعوا ونفذوا مظاهرة عابدين وأنفقوا من أموالهم الخاصة عليها، لم يكن يهمهم التواجد في الشارع، بل فقط التركيز الإعلامي عليهم، وبالقطع فإن حجمهم لا يؤهلهم للتواجد في أكثر من مكان في وقت واحد.

كما أنهم يخشون ألا يستطيع الأمن حمايتهم في المدن الأخرى، ولاحظنا أنهم لم يبقوا في ميدان العباسية طويلا، بل انصرفوا في منتصف الليل، مما يؤكد أنهم ليسوا أصحاب قضية محددة، بل ربما، كما قال بعض الجهات، أنهم مكلفون أو مأجورون من جهات محددة.

هناك هاجس مخيف ومرعب يراودني، وهو أن تكون مظاهرة ائتلاف الأغلبية الصامتة في ميدان العباسية، مؤشرا على مؤامرة كبيرة ومخطط لتفجير الأوضاع، وربما تكون تمهيدا لمظاهرة أكبر في مكان أقرب لميدان التحرير، مما يمهد لصدام كارثي لا تحمد عقباه، يمهد بدوره لنزول الجيش بقوة وفرض سلطاته، وهذا السيناريو متوقع إذا لم تأتِ الانتخابات بما يرضي جهات أجنبية محددة، ومصالح خاصة داخلية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات