لا شك أن الأزمة المالية الأخيرة التي ضربت العالم كانت مفاجأة لم تكن في الحسبان أبدا، ولا شك أن كل خطوات التقشف والتوفير التي اتخذتها الدول من جرائها مبررة، بدءا من التوفير في الطاقة وليس انتهاء بالتوفير في حفل عيد ميلاد الملكة البريطانية، ونحن جزء من العالم وطالنا من تلك الأزمة الكثير، ولا يخفى ذلك على أحد، فنحن جزء لا يتجزأ من العالم المحيط بنا نتفاعل معه ونتأثر به، وما تتخذه الدولة من إجراءات في مواجهة الأزمة وتداعياتها أمر مقبول ومفهوم، لذا فإن كل إجراءات التقشف عندنا يفترض أن تكون مفهومة أيضاً، ولكن بعضاً من هذه الإجراءات يبدو غريباً وكأن من وضعها قد درس، الأمر من ناحية حسابية بحتة، فأخذ يسد النقص كيفما اتفق من دون مراعاةٍ لطبيعة المجتمع وأهله، ويحمل الكثيرين المستشارين الأجانب هذا النوع من الإجراءات، مثال ذلك الاقتصاد في واجبات الضيافة في المؤسسات الحكومية، وهو فضلا عن قلة ما يحققه من وفر فهو يتـــــنافى بشكل صارخ مع قيم مجتمع عربي أصيل، فالمستشارون الأجانب أزمــــة أخرى ابتلينا بها في السنوات الأخيرة، كان من نتيجتها أن بدأوا حين بـــدأوا التوفير بالشاي والقهوة!
جانب آخر بات يشتكي منه الكثيرون وهو زيادة الرسوم الحكومية المختلفة، وأرباب الأعمال والمدارس والعيادات يشعرون بذلك أكثر من الموظفين، حتى إن بعضهم صار يفكر في إغلاق مؤسسته التي باتت في خسارة دائمة كما أخبرتني إحدى الطبيبات المواطنات التي تملك عيادة خاصة، الرسوم الباهظة تقصم ظهر أصحاب الأعمال وتدخل المجتمع في دوامة الغلاء حيث يسعى الكل إلى تعويض خسارته عن طريق غيره، وإضافة إلى المستشارين الأجانب، فإن بعض الاقتصاديين ينحون هذا المنحى الجاف في حل الأزمة، على الرغم مما تشيعه من أجواء طاردة وغير مريحة في عالم المال والأعمال.
من الأزمات التي صبغت حياة المواطنين بالكآبة خلال هذا العام أيضاً هو إلغاء مجانية المياه، ويوماً بعد يوم صار حمل الفاتورة يزداد ثقلا عليهم، لقد تطرقت سابقا إلى هذا الموضوع وأشرت إلى الحدائق المنزلية الكبيرة والمسطحات الخضراء الشاسعة التي أقامها المواطنون داخل وخارج منازلهم، مما شكل مساهمة قيمة في زيادة الرقعة الخضراء في المدينة، وذكرت حينها بأن هذه الحدائق مهددة بالإزالة، والمسطحات سيطالها التصحر، وهذا ما حدث للأسف، وصار رؤية مساحات النجيل الجاف أمام بعض البيوت أمراً مألوفاً، وكان بالإمكان أن تتولى البلدية أمر الحدائق الخارجية للمواطنين ولا تترك هذه الثروة التي تعبوا عليها كثيرا تضيع هكذا، هكذا نــلاحظ أن أحد أزماتنا قلة المرونة في تطبيق القرارات، وعدم الاهتمام بإيجاد بدائل قد لا تكلف كثيرا.
إن أحد قوانين الحياة هو اللجوء إلى مزيد من العطاء عند الإحساس بنقص الموارد، وهو ما يتحدث عنه أهل الاجتماع كثيرا ولا أدري لماذا يتجاهله الاقتصاديون تماما، فأحد نتائج الإنفاق هو إشاعة الإحساس بالأمان الاقتصادي، مما يجعل الناس تمضي في ثقة في أعمالها، مستشعرةً الوفرة في الموارد وليس الشح ، والاقتصاد في أساسه قائم على الوفرة وليس الشح، ولكن كما ذكرت يرتدي الاقتصاديون نظاراتهم السوداء، ويمسكون بمسطرة المليمترات ويشيعون المزيد من الضيق، بلا مبرر.
والسؤال: إلى أين؟ وهل هناك نتائج إيجابية تحققت من وراء ذلك ؟ وهل دُُرست الأبعاد طويلة الأمد لأمور تعتبر تغييرا في نمط الحياة؟ فلا نأتي غدا لنعالج الكثير من آثار ما يحدث اليوم وندفع لذلك الفواتير المضاعفة ؟