ما حدث من تصعيد في مصر أصاب الكثيرين بإحباط وقلق وخوف على البلد ومصيره، لدرجة أن البعض صدق الترويج المخطط والمتعمد الذي يقول إن مصر على وشك حرب أهلية. ومع بالغ الأسى على العدد الكبير من الضحايا والجرحى، إلا أنني، وبشكل شخصي، زاد تفاؤلي وإيماني الراسخ بنجاح الثورة المصرية، وبأن الأمور تسير في مجراها الصحيح، وما حدث يؤكد ذلك، خاصة مع المليونية التي احتشدت في ميدان التحرير وفي باقي مدن مصر يوم الثلاثاء الماضي. لقد أكدت ثورة 25 يناير في هذا اليوم، على مرجعيتها الأساسية، التي يشكك فيها البعض، ويستهين بها البعض الآخر، ألا وهي "الميدان"، هذه المرجعية التي اعتقد البعض خطأ بأنها انتهت بعد نجاح الثورة في إسقاط رأس النظام وعودة المتظاهرين لبيوتهم، أو أنها تراجعت وضعفت وتقلص حجمها، وأصبحت يمكن السيطرة عليها، أو حتى قمعها، وربما هذا ما ولّد لدى البعض طموحات خاصة للالتفاف حول هذه الثورة وتحريفها عن مسارها لخدمة مصالح خاصة، أو لتنفيذ أجندات جهات معينة؛ داخلية أو إقليمية أو دولية. لقد أثبتت الثورة المصرية يوم الثلاثاء الماضي، أن مرجعيتها قائمة وحية وقوية أكثر مما كانت عليه من قبل، حتى أثناء الثورة، وأنها ما زالت هي التي تملك القرار، وأنها ما زالت مستعدة لتقديم التضحيات، بما في ذلك المزيد من الشهداء، من أجل تحقيق التغيير الشامل والجذري، ومحو كافة آثار ومفاسد النظام السابق.
لقد سبق أن دافعنا كثيراً عن المجلس العسكري الأعلى في مصر، ولم ننكر دوره في إنجاح الثورة وحمايتها، وما زلنا لا نشكك في وطنية أحد من المجلس، لكننا نرى أن هناك أموراً كثيرة تغيرت على الساحة السياسية في مصر خلال الأشهر التسعة الماضية، وأن المجلس العسكري الذي دعم الثورة وأيدها في فبراير الماضي، لم يعد لديه نفس الحماس والدوافع للاستمرار في دعم الثورة. وهذا ليس تخويناً منا ولا تشكيكاً في وطنية أحد من أعضاء المجلس، ولكنه يقين منا بأن هذا المجلس تعرض خلال الفترة الماضية لضغوط خارجية أكبر بكثير من طاقته، وهذه الضغوط مورست من أجل تحقيق مصالح وأهداف أجنبية، على رأسها مصالح واشنطن وإسرائيل في مصر. وبحكم العلاقات السابقة والطبيعية للمشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري وبعض أعضائه بواشنطن، كانت هناك قنوات للاتصال والتنسيق، وكل هذه في حد ذاتها أمور عادية ومنطقية ومقبولة، فالثورة المصرية ليست على عداء مع الولايات المتحدة، بل على العكس، كثير ممن قاموا بالثورة وقادوها لهم علاقات مباشرة بالولايات المتحدة، كما أننا لا ننكر أهمية مصر الكبيرة بالنسبة إلى واشنطن وإسرائيل، وهذا أيضاً واقع يجب التعامل معه بعقلانية. لكن المشكلة الكبرى في هذا الأمر، أن نبني مستقبل مصر ومصيرها بعد الثورة على أساس هذه العلاقات، وفي إطار هذه المصالح، خاصة وأننا نعلم جيداً أن واشنطن وتل أبيب لعبتا دوراً كبيراً ورئيسياً في إفساد نظام مبارك منذ البداية، كما نعلم يقيناً أن إسرائيل لن ترضى لمصر أن تنهض وتقوى.
في اعتقادنا أن التغيير الذي حدث في توجهات المجلس العسكري الأعلى خلال الفترة الماضية، وسعيه من خلال تشريعات دستورية أو غيرها لأن يكون له نفوذ وسلطة عليا، ليس حرصاً ولا طمعاً من المجلس في السلطة، لكنه نتيجة هذه الضغوط الخارجية التي ذكرنا جزءًا منها، وذلك بهدف ضمان مصالح جهات محددة. وهذا في حد ذاته أكبر عائق أمام التغيير في مصر، ولا يمكن قبوله بعد ثورة 25 يناير، وإلا سيذهب مبارك ويبقى النظام على ما كان عليه، وتبقى مصر بمشاكلها وتخلفها وتبعيتها وضعفها. ولهذا يجب على الشعب المصري أن يهب ويرفض، ويحافظ على ثورته، ويتمسك دائماً بمرجعيته الميدانية، ولا يلتفت للغة الإحباط والتخويف والتحذير والتهديد.
elmoghazy@hotmail.com