عندما انتصرت الثورة المصرية قمت بتهنئة كل المصريين الذين أعرفهم بإرسال رسائل نصية لهم، وتذكرت الأستاذ القدير كامل يوسف في البيان، ولكن لم يكن رقم هاتفه المتحرك معي على الرغم من أنني أعرفه منذ سنوات طويلة، اتصلت بالبيان في اليوم التالي وكان يوم سبت، وطلبت الأستاذ كامل فقيل لي إنه اليوم إجازة وكنت قد نسيت ذلك، حسناً أعطني رقم موبايله، قلت لموظف البدالة، فقال مع ضحكة خجولة: ليس لديه موبايل! ماذا؟ معقول؟
سألته، قال نعم لا يستخدم موبايل، اتصلت يوم الأحد بالصحيفة وكلمت الأستاذ كامل وهنأته، ثم رويت له الموقف السابق، فضحك وأكد لي المعلومة وقال: هذا صحيح، وأصدقائي لا يكفون عن إهدائي الجهاز تلو الجهاز، وأنا ما زلت صامداً ولكن يبدو أنني سأضطر إلى استخدامه قريبا، قلت له: أظنك إذن آخر الصامدين على الكرة الأرضية.
تذكرت القصة برمتها وأنا أتأمل نفسي بلا بلاك بيري ولا آي فون في يدي، وكأني اكتفيت بدور الشاهد على زمن ينسحب وآخر يجيء، لست أدري هل سأصحو على يوم أجدني وقد سار الناس أميالا في الدرب أمامي، أم سأكون سعيدة لأنني حميت نفسي من الدخول في دائرة لا تختلف عن الإدمان كثيرا وإن عم خطبها وطم بين سكان هذا الكوكب.
الإدمان الذي لطالما قاومناه وحذرنا أبناءنا منه، يدخله الراشدون والآباء اليوم ويغرقون فيه من دون شعور بتأنيب الضمير تجاه أنفسهم، معللين ذلك بالفوائد الثقافية والاجتماعية التي يجنونها من وراء ذلك، وبكون الأمر تحصيل حاصل في هذا العصر، ولا أدري كيف ولماذا يأخذ التفكير والسلوك الناس هذا المنحى؟ على الرغم من أن أضرار الحياة في العالم الافتراضي، تتكشف وتزداد يوما بعد يوم.
لا أحد يعلم ماذا سيحدث في المستقبل، فحركة المال والتجارة الدائرة حول عالم الإنترنت واللاسلكيات هائلة ومن الصعب مقاومتها أو السعي لفرض القيود عليها، ولكن وأنا أرى القيود التي تفرض على المدخنين يوماً بعد يوم، والتي وصلت إلى منعهم من التدخين في كثير جدا من الأماكن منعاً باتاً، أشعر أن شيئا كهذا قد يحدث لمدمني النت والهواتف النقالة عندما تكثر الحركات المنادية بالعودة للحياة الطبيعية، ولكن حتى ذلك الحين، سنجد الناس لأول مرة في تاريخهم قد حملوا صفات غريبة كنا نظنها لسكان كواكب أخرى، وسنكتشف الفاتورة الباهظة التي تم دفعها من صحتنا وأعصابنا وأوقاتنا الثمينة.
إذن الدعوة إلى الإقلاع عن الغوص في هذا العالم، والتحكم فيه ووضع الضوابط الرادعة لأنفسنا مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، ولنعترف أن البلاك بيري لا ينفع كل الناس والآي فون لا يفيد كل شخص، والفيس بوك ليس للجميع، والتويتر ليس فرضا واجبا ولا إثبات وجود، كلها أشياء قد تصبح شيئاً عادياً كنا وقوده ذات يوم ليس أكثر! وهذا لا يعني التعميم، فالفيس بوك مثلاً لكل من لديه شيء يقوله وليس لمن لا يملك شيئا ويقضي الوقت في النقل.
أما التويتر فهو لمن يملك إضافة إلى ذلك رسالة يريد إيصالها، ويركز في حديثه عليها، وليس كما نراه مسرحاً يعرض فيه الجميع كل ما عندهم للظهور وإثبات الوجود وإن كان من نوعية، ذاهب أنا لشراء الزيت من الدكان، حواجز خصوصياتنا كبشر نلغيها حاجزاً حاجزاً، ونحن نبتسم وسعداء بهذا الإنجاز.
لا نعرف ماذا سيحدث وإن كانت الأمور تسير كما يراد لها، من قبل المستفيدين من ذلك، وهكذا لا يتصور الناس الحياة من دون البلاك بيري ويشعرون بالضياع في غياب الآي فون، وبالملل من دون الفيس بوك والصداع من غير تويتر، ويشعرون بكل هذه المشاعر مجتمعة لدى الجلوس لأكثر من نصف ساعة للتحدث وجها لوجه مع بشر من لحم ودم!
