في نهاية نسك السعي في حج العام الماضي، انتبهت إلى امرأة تنظر إلي مبتسمة وهي تسرع بالخروج من المسعى، كانت صفراء نحيلة شاحبة، ولكن ابتسامتها كنهر من الصدق والنور والحياة، ظننتها باكستانية من شكل ملابسها، فسألتها بعد السلام: من باكستان؟ قالت وابتسامتها تزداد اتساعاً: بل أفغانستان، لم يدر بيننا أكثر من ذلك ولم يكن هناك وقت لحديث أطول ولكن الموقف بتفاصيله القليلة ظل في ذاكرتي، فلقد ذكرني بأفغانستان التي كانت حاضرة في وقت من الأوقات على مدار الوقت في حياتنا، ثم أصبحت تحضر أحياناً وتغيب أغلب الوقت، ولم نعد مهتمين كثيرا بما يحدث هناك، كما أنها فجرت لدي مجددا ذلك السؤال الفلسفي، عن معايير السعادة الحقة، عندما نصادف فقيرا مدقع الفقر ولكننا نرى السعادة تفيض من عينيه وابتسامته ولغة جسده، وظل اللقاء في الذاكرة لسبب آخر وأقوى وهو أنه حدث في ذلك الوقت وفي ذلك المكان، وذكرني بأحد منافع الحج الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى والتي نرى فيها إخوة لنا من أصقاع الأرض المختلفة، في مكان واحد فنعرفهم أكثر ونتلهف إلى مزيد من المعرفة بأحوالهم، ونستكشف خارطة اللحم والدم لاتباع هذا الدين العظيم.

لو لم يكن لهذا الدين غير هذا الإنجاز العظيم لكفاه، فأي ديانـــــة حولنا تجــــمع الملايين من اتباعها سنويا، في طقوس تؤدى بكل هدوء على ما فيها من مشقة؟ وأي ديانة تختصر أهم فصولها، وتشرح أساس بنائها، كما يحدث في شرح التوحيد وتبيان قصة إبراهيم وإسماعيل في الحج ومناسكه؟ وأي ديانة ظلت مشعة بجوهرها الواضح الصلب والشفاف، كما يحدث في وضوح الحج وصلابته، روحانيته وخشونته، وصرامته ورقته، وفي بقية أركان الإسلام؟

في مشاهد الحج خلاصة الإسلام والمسلمين، واختصار الدنيا والآخرة، وشرح الحياة كما هي فعلا في حقيقتها، وكما اهتز الغربيون أمام سحر الشرق يوماً، وكما ألجمتهم حضارة الرمل والصحراء، وحياة الفطرة والبداوة، فإن الحج يفعل ما هو أكثر من ذلك عندما ينظرون إلى مشاهده الجليلة وخاصة إذا دعمت بالشرح والفهم، هكذا فإن هذا الدين ثروة حقيقية بل هو ثروتنا الأهم، لأنه هو ما يبحث عنه إنسان اليوم، وإن مزيدا من التمسك به يعني مزيدا من الثقل والقيمة السياسية والاجتماعية لنا في العالم، فلا شيء يهز العالم مثله ولا شيء يحتاجه العالم مثله ولا شيء يبرز اليوم شامخا عملاقا مثله.

البعض يهدر قيمة ذاته عندما لا ينتبه إلى قيمة هذا الدين وأهميته، فتجده ينعق خلف كل ناعق في أمور لا يفهم فيها الفهم الكافي، وفي كنوز يجب علينا الحرص عليها لأنها لنا وتخصنا وتشكل بصمتنا وصورتنا على الأرض، فإن دعي إلى خلع النقاب أو الاختلاط أو تخفيف حصص الدين واللغة العربية، تراه أول المؤيدين والمصفقين، بينما الأولى أن يدافع أولا قبل أن يعطي الأعذار للآخرين، هيبة الدين لا تعني شيئا للكثيرين، قدسية بعض الأشياء الخاصة بنا وبديننا وبحضارتنا لا ينتبهون لها، بينما يبحث العالم حولنا عن نقطة من بحر ما نملك من قيم ليتعلق به في حياة خاوية بلا قيم فلا يجد.

في شرق العالم وغربه، يستشعر الناس هيبتنا من خلال، صلاتنا، ولباسنا، وحرصنا في المأكل والمشرب على الحلال، وتماسكنا الأسري، وقراءة القرآن وصوت الأذان والصيام وكل هذه الطقوس العظيمة، ولكن الكثيرين لا ينتبهون إلى ذلك وتراهم مستعدين لإرخاص هذه القيم بوعي أو بدون وعي، فلنكف عن جهلنا بديننا أو تجاهلنا له، ولنعطه ما يستحق فعلا منا.

 

AISHA4747@HOTMAIL.COM