تسود حالة من التشاؤم لدى قطاع كبير من الشعب المصري تجاه تطورات الأحداث بعد ثورة 25 يناير، إلا أن قطاعا أكبر من الشعب مفعم بالتفاؤل، ومؤمن بأن ما يحدث أمر طبيعي وتطور متوقع، ولا يشكل أية خطورة ولا تهديد للثورة، هذا في الوقت الذي يحلو فيه للبعض، ممن يراودهم حلم إجهاض الثورة، خلط الأوراق بهدف التشكيك والتشويه، ويصل هذا الخلط إلى درجة التسوية، في إطار ما يسمى "الربيع العربي"، بين ما حدث في مصر وتونس وما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن.

وهذا الخلط في الحقيقة بعيد عن الموضوعية والعلمية ومفعم بسوء النية، حيث يسعى البعض إلى تصوير الثورات الشعبية بشكل عام، بأنها فوضى عشوائية ضد مصالح الشعوب وتجلب الخراب، أو أن وراءها أيادي خفية أجنبية تحركها تجاه مصالحها وأهدافها الخاصة، والبعض يسعى لتخويف الناس من هذه الثورات وما تجلبه من انهيار اقتصادي وعدم استقرار أمني وانتشار للجريمة والمجرمين. وقد استغل البعض مشهد قتل معمر القذافي وما شابه من بشاعة ووحشية وخرق لكافة القوانين الدولية والمبادئ الدينية والأعراف الإنسانية، كوسيلة لتشويه الثورات الشعبية والثوار بشكل عام. والحقيقة أنه لا وجه هنا للمقارنة على الإطلاق، فما حدث في ليبيا أصاب الكثيرين بصدمة، بمن فيهم المعارضون والرافضون لمعمر القذافي وسياساته، وما يحدث في سوريا أمر آخر مختلف تحكمه موازين دولية مختلفة، وظروف أخرى وتركيبة اجتماعية وسياسية مختلفة تماما عنها في مصر وغيرها من البلدان، وكذلك ما يحدث في اليمن، وحتى ما حدث في تونس وتطوراته يختلف كثيرا عما حدث في مصر.

وتبقى الثورة المصرية، رغم كل ما يجري، هي النموذج والقدوة، ليس فقط على المستوى العربي، بل أيضا على المستوى العالمي. وهذه ليست مبالغة، بل هو الواقع الذي تشهد به التحركات والمظاهرات الاحتجاجية التي يشهدها العديد من مدن العالم، من أقصى الشرق في أستراليا ونيوزيلندا إلى نيويورك وغيرها من مدن الولايات المتحدة، مرورا بمظاهرات مدن أوروبا، وحتى إسرائيل. في كل هذه الأماكن، كان وما زال يتردد اسم مصر والثورة المصرية وميدان التحرير، وقد شاهدنا في صور المظاهرات الحاشدة في تل أبيب، إسرائيليين محتجين يرفعون لافتات كتب عليها "هنا القاهرة"، وفي لندن شاهدنا النائب البريطاني الذي وقف في الشارع يخطب في الناس، مناشدا حكومته قائلا "علمونا القيم المصرية وليس البريطانية"، ويصف مشاهد الثورة المصرية وما فعله الشباب والفتيات المصريات في ميدان التحرير، وكأنه يحكي ملحمة بطولات تاريخية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحدث الموسيقار الأميركي الشهير هيربي هانكوك، لصحيفة "هوليوود توداي" قائلا: "إن ما قام به الشباب المصري يعتبر خطوة فريدة على طريق الإصلاح في الشرق الأوسط والعالم أجمع".

ويقول كارل ديغن منسق حركة "احتلال وول ستريت" في ولاية أريزونا الأمريكية: "ما يحدث الآن معنا هو ذاته ما حدث مع شباب ميدان التحرير في القاهرة. قيل عنهم إنهم تجمع عشوائي من شباب المثقفين والطبقة فوق المتوسطة من المجتمع، بلا قائد وبلا هدف، وهو ذاته ما يقال عن تحركاتنا الآن. يريدون أن يئدوا حركتنا في مهدها، ولكننا درسنا الثورة المصرية ونطبق ما تعلمناه منها". وتقول أنتونيللا أورييا، وهي باحثة في العلوم السياسية في جامعة جنوب كارولينا وقيادية في حركة احتلال وول ستريت: "لقد تحولت الثورة المصرية إلى نموذج متميز للديمقراطية الأفقية والتفكير الجمعي، وهذا ما نسعى لتطبيقه هنا في وول ستريت".

هكذا ينظر العالم للثورة المصرية العظيمة ويرى فيها القدوة والنموذج، بينما تصغر هذه الثورة في أعين الكثير من أصحابها الذين يتصارعون على الفتات، ويتآمر عليها أصحاب العقول المريضة الحالمون بإجهاضها، وهم يجهلون أن صفحات التاريخ التي تسجل الأحداث العظيمة لا مكان فيها للأقزام.