سوريا عرضة حالياً للهدر. هدر في الأرواح والممتلكات، هدر في الزمن والطاقات، هدر في هيبة الدولة وكرامة المواطن. الخيارات الخاطئة في مثل هذه المنعطفات ليست خصماً فقط من رصيد أصحابها بل هي في الوقت نفسه اجتزاء من رصيد الشعب والوطن. سوريا أحوج ما تكون إلى مشروع وطني ديمقراطي تتلاقى عنده التيارات السياسية من أجل عبور هذه المرحلة الصعبة.

طوال سبعة شهور من إعمال الماكينة العسكرية لم يفلح النظام السوري في إسكات غضب الشارع. إذا عجز النظام في القضاء على «عصابات إجرامية» ـ حسب التوصيف الرسمي ـ على الرغم من استخدام أسلحة العنف المتاحة فأمام النظام خياران. إما التسليم بقوة «تلك العصابات» أو استبدال أسلوب معالجة الظاهرة.

الانتفاضة الشعبية السلمية دخلت شهرها الثامن ولمَّا يبدو عليها ملامح الطلق بجنين وشيك. أكثر من ثلاثة آلاف شهيد ـ وفقاً لإحصاءات منظمات الأمم المتحدة وأكثر من خمسة آلاف كما تزعم المعارضة ـ قدمتهم التظاهرات اليومية قرابين للحرية والكرامة والعدالة ولايزال المشوار طويلاً.

مشهد أرتال الآليات العسكرية تجوب المدن قصفاً وتدميراً وتقتيلاً لا يشابه سوريا حكومة وشعباً ولا يليق بهما. فتح فوهات البنادق على مواكب تشييع الجنازات ممارسة لا يبررها فرض الانضباط أو احتواء الخارجين على النظام. صور تعذيب المواطنين والتمثيل بالجثث تجهض مشاعر التعاطف مع المسؤولين عن السماح بتنفيذها.

تعطيل الدراسة وتحويل فصولها إلى معسكرات للاعتقال قضية تضع النظام تحت طائلة اتهامات عدة أدناها حرمان أجيال من حقها في التعلم والتقدم.

المشهد السوري يكشف اصطدام النظام والمعارضة بجدارين كل في طريق مسدود. بعد كل النزف اليومي الأسطوري المشرب بالدم والأرواح لم تفلح المعارضة في تليين رأس النظام أو كسر صلفه.

على الرغم من تحويل مدن بعينها إلى ساحات حرب على امتداد سبعة أشهر لم ينجح النظام في كسر إرادة الشعب. مع دخول المشهد السوري الدامي الشهر الثامن يتساءل المرء ما إذا كان على الطرفين إعادة النظر في غاياتهما أو على الأقل الوسائل لبلوغها.

تغيير النظام لم يكن مطلباً مجمعاً عليه في الشارع عند بدايات الانتفاضة. مع تصاعد كلفة الخروج إلى الساحات العامة ارتفعت وتيرة المطالب الشعبية حتى بلغت المناداة برحيل النظام. بعد اختراق حاجز الخوف وامتشاق الجرأة في وجه النظام وتجاوز كلفة الأرواح والخسائر المادية يصعب على الشعب الرجوع إلى المنازل خالي الوفاض. ربما يكون صعباً كذلك على النظام بعد التوغل في الدم والحطام إعادة الجيش إلى الثكنات تحت الضغط الشعبي.

هكذا ينبىء جانب من المشهد المأزوم في سوريا على نحو يوحي باستعصاء فك عقدته. قد يكون في نداء الجامعة العربية للطرفين السوريين بالحوار مخرجاً من الأزمة. صحيح الجانبان يفتقدان أرضية مشتركة صالحة للحوار. النظام يرى في الجلوس إلى طاولة ثنائية اعترافاً لا يقره بالطرف الآخر. المعارضة من جانبها ترى في مجرد الجلوس إلى الطاولة المشتركة تنازلاً أساسياً لا تريده عن مطالبها إذ هي لم تعد ترضى بغير رحيل النظام بديلا.

مثل هذا التصادم يزيد خيار الحوار استعصاء. بغية استدراج النظام والمعارضة إلى طاولة الحوار ينبغي على اللجنة الوزارية العربية المكلفة طرح سلسلة من العروض في جهد مكوكي بحيث لا تنقضي مهلة الأسبوعين بدون إحراز تقدم على المشهد السوري. حين يكون الخيار بين تغليب عنف الدولة وترجيح احتمال الشعب يربح الطرف الثاني فالشعب أكثر قدرة على الانتصار بصبره الذي لا ينفد وإبداعه الذي لا يجارى على عنف الدولة.