في الماضي القريب لم يكن الناس يزرعون الأشجار للزينة فقط، بل كانوا يحرصون على أن تكون لها فوائد أخرى، وغالبا كانوا يزرعون الأشجار المثمرة مهما كان ثمرها قليل الفائدة، هكذا كانت شجرة اللوز الضخمة تتوسط فناء كل بيت، تظلهم بظلها وترمي إليهم بثمارها التي كان الأطفال ينتظرون موسمها من عام إلى عام.
وهكذا كانت شجرة الليمون بأوراقها اللامعة حاضرة في كل بيت، يستمتعون بجمال منظرها ورائحتها، ويستفيدون من ثمرها الذي لا تخلو منه أية مائدة، وكان التين والرمان والجوافة أشجارا مألوفة في حديقة البيت الإماراتي أيضاً، هذا طبعاً إضافة إلى النخلة التي كان الحرص على زراعتها في المزارع أكثر من البيوت وذلك لحاجتها إلى اهتمام خاص، تذكرت ذلك وأنا أتجول في منطقة يالوفا التركية.
والتي تكاد تكون سلة غذاء اسطنبول، المنطقة خصبة جدا وزراعية من الدرجة الأولى والثمار في كل مكان، وكثيراً ما تظل في مكانها تحت الأشجار وفي أفنية البيوت وفي الطريق ولا تجد من يلتقطها وتترك للعصافير والقطط والطيور.
إضافة إلى ذلك فإن رؤية مرتفعات ضخمة تغطيها أشجار الزيتون وأخرى مغطاة باللوز، ورؤية حقول متراصة من الأرز والجوز والخضروات، منظر لا يمر على الذاكرة بهدوء إلا عندما تتذكر أن الله قد أعطاهم الزرع وأعطانا النفط، وأننا بأموال النفط نجلب زرعهم إلينا كما قال رفيقنا التركي عندما لاحظ انبهارنا بكل ذلك الخصب والنماء.
وتحضر السودان إلى الذاكرة في مواقف كهذه، وما نردده لسنوات طويلة من أن السودان سلة غذاء العرب، ترى أين هي تلك السلة اليوم؟ بل أين هي سلة غذاء كل قطر عربي على حدة، ففي معظم دولنا حتى الصحراوية منها هناك واحات ومناطق زراعية خصبة تفي غالبا بحاجات سكان البلد، ولكن أين هو منتجها في الأسواق؟
المزارع الهائلة في يالوفا لم تمنع السكان من الاهتمام بالزراعة المنزلية المفيدة، ففي البيت الذي حللنا ضيوفا فيه، كانت كل الخضار والفواكه على المائدة من حديقة المنزل، ونتمنى في بلادنا فقط لو نهنأ برطب جني نخرفه كل صباح من أيام صيفنا الطويل لا شك أن هناك حسابات كثيرة حول جدوى الاهتمام بالزراعة في بلد صحراوي وحول الفاتورة الضخمة التي علينا دفعها لقاء ذلك.
بينما بالإمكان توفير كل ما نحتاجه من الخارج بثمن أقل، ولكن هناك زراعة قائمة في البلد في كل الأحوال، سواء في المزارع الخاصة بالمواطنين، أو في الحدائق المنزلية أو في الميادين والشوارع، وأظن أننا بحاجة إلى إعادة النظر في طبيعة هذه الزراعة ونوعيتها.
التركيز على زراعة النخيل واضحة في المزارع الخاصة بما يكفي لحاجات أصحابها على الأقل، ولكن هناك من يملك عشرات المزارع التي لا يعرف أين يذهب بجني نخيلها في الصيف خاصة أنه يتلف سريعاً، فيحوله إلى تمر كثيرا ما يتكدس لديه حتى الصيف القادم، حالة تحتاج إلى دراسة، فلربما كان هذا الإنتاج كافيا للسوق المحلي، وإذا كان أصحابه لا يسعون للربح، فلنساعدهم على التوزيع المجاني السليم والمجدي لهذا المحصول الذي لا يخلو منه بيت إماراتي.
الزراعة المنزلية وزراعة الساحات والشوارع يجب إعادة النظر فيها أيضا، وتوجيه الناس إلى الأشجار التي تحمل أكثر من فائدة، كالظل والزينة والثمار، والعودة إلى الأشجار المناسبة للبيئة التي تحتاج إلى أقل جهد ورعاية، عوضاً عن المساحات الشاسعة المزروعة بالعشب والزهور الموسمية التي تستهلك الكثير من الماء والجهد، المتعة التي يشعر بها المرء عندما يأكل من ثمار حديقته إضافة إلى القيمة الغذائية العالية للثمار الطازجة، تستحق منا التفكير في ذلك، وما أجمل أن تجد على مائدتك بعضاً من منتجات حديقتك كل يوم، وما أسهل ذلك أيضاً فقط لو أردنا وقمنا بالتغيير المطلوب.