عدت أول أمس، من روسيا، بعد أسبوع قضيته هناك بدعوة من شركة «في تي بي كابيتال» لحضور المؤتمر السنوي الذي ينظمه بنك «في تي بي» أو «بنك التجارة الخارجية» الروسي، تحت عنوان «روسيا تنادي» حول الاستثمار في روسيا.

ورغم أنني أعيش في روسيا منذ نحو ربع قرن مضى، وأتردد عليها عادة في إجازاتي السنوية، إلا أنني لم أستمتع برحلتي إلى روسيا من قبل مثل هذه المرة، وذلك لعدة أسباب، أولها بالطبع، حسن تنظيم الرحلة والمستوى الرفيع للاستضافة من قبل الشركة المستضيفة، وثانياً المستوى الرائع والمتميز لتنظيم المؤتمر الذي استمر على مدى يومين في مركز التجارة العالمي في موسكو، والذي حضره المئات من الإعلاميين والخبراء والمختصين من مختلف أنحاء العالم، لقد سبق لي أن حضرت العديد من المؤتمرات في عدة دول أخرى، ومنها روسيا نفسها في سنوات التسعينات الماضية، لكنني في هذا المؤتمر بالتحديد شعرت بالفعل بأنني في دولة عظمى.

وكان للتنظيم الرائع للمؤتمر، والذي حضره رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، أثر كبير في نفسي، لا شك أن القدرة على تنظيم مثل هذه المؤتمرات الكبيرة تعطي الإيحاء بقوة الدولة المستضيفة وتعطي أيضاً للمستثمرين الأجانب الثقة في اقتصاد هذه الدولة، لقد كانت دهشتي بالغة بالمستوى الحضاري الكبير الذي وصلت إليه روسيا في السنوات العشر الماضية، خاصة وأنني عشت فيها فترة التسعينات الماضية التي شهدت الانهيار الكبير للاقتصاد الروسي وانتشار الفقر والجريمة وسيطرة طبقة من الطفيليين وعصابات المافيا على الموارد الاقتصادية الهائلة لهذه الدولة العظمى المترامية الأطراف.

ولكن ها هي روسيا تستعيد قوتها ومكانتها على الساحة الدولية وتصبح ضمن قائمة الدول الأكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية. ما حققته روسيا من تقدم وتتطور خلال السنوات العشر الماضية لا يرجع فقط إلى الإمكانيات الاقتصادية الكبيرة للدولة ومواردها الطبيعية.

والتي لم تحل دون الانهيار في التسعينات، وإنما التطور والتنمية والتقدم يرجع في الأساس إلى العامل البشري، المواطن الروسي المؤمن تماماً بعظمة بلاده وقدرتها على استعادة أمجادها، وليس رئيس الوزراء بوتين وحده هو البطل الوطني الذي أعاد لروسيا مكانتها.

كما يقول الكثيرون، بل الاختيار الصحيح والموضوعي للقيادات وكبار المسؤولين في الدولة، وهذا ما غاب عن روسيا في التسعينات الماضية، عندما كان الرئيس الراحل يلتسين يجمع حوله حاشية من الطفيليين والوصوليين واللصوص وزعماء عصابات المافيا، والآن روسيا تديرها العقول الروسية الحقيقية التي أبهرت العالم من قبل بالإنجازات العملاقة للدولة السوفييتية العظمى.

لقد تابعت المتحدثين في هذا المؤتمر من الخبراء وكبار المسؤولين الروس، وكان بوتين بالطبع نجم المؤتمر، وأعجبتني كثيراً وزيرة الاقتصاد الروسي إيلينا نابولينا، وقدرتها الفائقة على عرض عوامل الجذب للاستثمار الأجنبي في الاقتصاد الروسي، ولفت انتباهي أكثر رئيس بنك التجارة الخارجية الروسي أندريه كوستين، الذي تحدث كثيراً في المؤتمر ونال نصيباً كبيراً من أسئلة الحضور.

والحقيقة أنني لم أعتد على رؤساء بنوك بهذا المستوى العالي من الخبرة والثقافة الاقتصادية والمالية، والعلم بشؤون بلادهم، والقدرة على تمثيلها بشكل موضوعي وحضاري، خاصة وأن هذا البنك حكومي يتولى شؤون الاستثمار في روسيا، ويفترض في رئيسه أنه موظف حكومي، وقد اعتدنا في روسيا من قبل،.

وخاصة في العهد السوفييتي، أن موظف الحكومة، مهما كان منصبه، لا تشترط فيه الخبرة والعلم بقدر ما يشترط فيه الولاء التام للنظام الحاكم، لكن ما شاهدته في أندريه كوستين نموذج حي لروسيا الحديثة التي أصبحت تعتمد بالدرجة الأولى على الخبرات الحقيقية من أبنائها.

كم أتمنى لبلادنا العربية، وخاصة مصر بعد ثورة 25 يناير، أن تستفيد من التجربة الروسية في البناء والتنمية والنهوض من الكبوة والخروج من الفوضى.