بينما لم تسكن بعد رياح الربيع العربي تثور زوبعة من القلق تجاه مآلات الثورة الشعبية في مدارات الربيع. ثمة فرح عارم في شأن إزالة ديكتاتورية أنظمة عائلية بغض النظر عن انجاز تلك المهمة أو مواصلة الجهد بغية تصفيتها.

للقلق محوران. أحدهما زماني عن أوان موسم قطف زهور الربيع العربي وثماره. الثاني بنيوي يرتبط بماهية الأنظمة البديلة بعد سكون الرياح الشعبية.

المحوران يستمدان فورانهما من طبيعة المشهد السياسي الراهن في مدارات الربيع العربي. السلطات التنفيذية المؤقتة المشكلة في خضم الفوران الشعبي لم يرق أداؤها إلى مستوى الحدث التاريخي. النظام المصري كما التونسي أخفق في فرض هيبة الثورة أو حتى التعبير عن طموحاتها. كلاهما لم ينجح في تبني خطاب سياسي يبث الإطمئنان إلى حصاد وفير للربيع العربي.

القوى السياسية المتأهبة لقطف الثمار لم تدرك أهمية الالتفاف حول مشروع برنامج سياسي وأجندة وطنية يغرس بذور العمل الديمقراطي. الإضطراب عقب كل ثورة شعبية مخاض طبيعي. الإخفاق في احتواء تداعيات الإضطراب تحت سقف زماني يهدد مصير الثورة ومستقبلها.

بدون صياغة مشروع من هذا الطراز وبهذه الروح لا يمكن تأمين عبور سلس لأي مرحلة انتقالية.

مثلث الكرامة، العدالة والحرية يشكل قاعدة انطلاق الثورة الشعبية إلى مدارات الربيع العربي. هذا الثالوث لا يزال في مهب الريح وليس عرضة لرياح الربيع كما المأمول.

في ظل صراع القوى يبدو المشهد مرتبكاً على نحو لا يحرض على التفاؤل تجاه أوان القطف أو الاطمئنان إلى مخزون الحصاد. على نقيض ذلك يثور قلق متصاعد إزاء احتمال بروز ديكتاتورية أنظمة أيديولوجية متعطشة مكان الدكتاتوريات العائلية ـ المزمنة.

القلق يتضاعف مع صعود وجوه على المسرح تشي ملامحها بحصاد مر للربيع العربي. وجوه تتباين سحناتها لكنها تتحدث لغة مشتركة تكتب خطاباً سياسياً يبدد الآمال في تأسيس أنظمة ليبرالية عصرية متفتحة. جميع الوجوه تنتمي إلى تيار معاكس لرياح الربيع. ربما لأنه التيار الأكثر تعرضاً للضغط في عهد الدكتاتوريات العائلية انبجس أكثر من غيره.

ذلك احتمال راجح غير ان المنطقي كذلك هو نفسه التيار الأكثر تنظيماً وقدرة مادية ومن ثم الأكثر قدرة على الحركة. هؤلاء لا يشكلون فقط تهديداً على الربيع بل يهددون بإعادة دورة احتكار السلطة. تحت تراكمات متباينة إبان الدكتاتوريات العائلية تولدت رهانات على نطاق واسع في الأوساط الشعبية على أن هذا التيار باعتباره منجاة من الأزمات.

من تحت ذلك الركام وفي مجرى الرياح وفي ظل غياب أنموذج عربي تداولي يراوح قطاف الربيع بين خياري تركيا وإيران ليس غير. ما يعتمد هذا الاحتمال تفكك التيار المضاد. بغض النظر عن الرهان على هذا الأخير في بلوغ نهايات سعيدة للثورة الشعبية فإن وحدته ضمانة لقطع الطريق أمام التيار الآخر.

أداء التيار المضاد يتسم بالبؤس. بالإضافة إلى التشرذم وقصر ذات اليد فإنه عاجز عن صياغة مشروع سياسي فكري لعبور المرحلة الانتقالية أو ما بعدها. النخبة نفسها أخفقت في إلهام الشارع من ناحية تقديم قيادات فاعلة أو تحصين المشهد الوطني ضد البلقنة السياسية. كل التيارات السياسية في مدارات الربيع العربي منهمكة في إعادة انتاج المعارك التي أفضت إلى الدكتاتوريات العائلية.

كأنما تريد هذه النخب تأسيس دول جديدة وليس إصلاح دول ذات قواعد اجتماعية واقتصادية راسخة. كل التيارات الليبرالية المعنية بأحداث التحولات المأمولة تبدو أضعف من التصدي لمهام المرحلة بينما تنهض التيارات المضادة لرياح الربيع بأعبائها!