كنت في نقاش صباحي حاد مع المفتش في مدرسة أحد أبنائي، عن سلبيات طابور الصباح وانعدام جدواه، عندما أخرج لي صفحة من إحدى الصحف المحلية، فيها تقرير عن تخلف الطلبة عن طابور الصباح، ودعوة عدد من مديري المدارس والتربويين لجعل حضور الطابور مادة عليها درجات وفيها نجاح ورسوب! قلت له: يبدو أنه لو مضى كل شيء إلى الأمام فسيظل التعليم سائراً إلى الوراء.

إذا كنا لا نزال نفكر بهذه الطريقة. يا سادة يا كرام، أريد أن أفهم من أين أتى طابور الصباح المدرسي بكل هذه القداسة؟ فلا يقف في طريقه صغير أو كبير، ولا حر أو برد، ولا منطق أو تفسير. من أين يأتي بهذه القداسة التي تجعل مديري المدارس يذكرونه أول الواجبات وأهم المقامات في العام المدرسي، ويوقفون الطلبة والهيئة التعليمية كل صباح لأجله؟ من يأتي بهذه القداسة التي ما أن يفتح أحدنا فمه ليقول: لا للطابور، حتى يجد ألف عين ترمقه شزرا وألف فم يسكته، من أين؟

قالوا: يعلم النظام، فقلنا: وقف العرب مئة عام في طابور الصباح وما تعلموا النظام! قالوا: فكيف يدخل الطلبة الفصول؟ قلنا: فأين التربية إن عجزت عن تعليمهم طريقة المشي والكلام؟ قالوا: يزرع الوطنية عندما نحيي العلم، قلنا: والشعوب التي لا تقف للعلم كل صباح ليست أقل وطنية منا! قالوا: يظهر القدرات والطاقات والمواهب، قلنا: يكفي لذلك يوم في الأسبوع وزيادة! يأتون بألف تبرير وتبرير لعادة مدرسية مقيتة، عفى عليها الزمان وأكل عليها الدهر وشرب!

ونعجب عندما يحمل البعض لواء تطوير التعليم ويبقى ملتصقاً بعادات بالية كهذه، وكضرورة وقوف الطلبة للمعلم كلما دخل وخرج، وتحيته بتحية ذات إضافات ما أنزل الله بها من سلطان! وبالتغاضي عن كسر ظهر الطالب بأثقال الكتب، وطحن يومه وحتى أيام إجازته بالواجبات الثقيلة، وحل الأسئلة المعادة والمكررة، التي لا ندري بأي قلب وضعت!

نعجب من تراجع مستوى احترام حقوق الطالب، واستباحة ما سبق وأقر من مبادئ في ذلك، كمنع الواجبات في الإجازة، ومنع الامتحانات في اليوم الأول من الأسبوع، ومنع إعطاء أكثر من امتحان في اليوم، ومنع الامتحانات للصفوف الثلاثة التأسيسة الأولى.. كل هذا ذهب أدراج الرياح، وكأن الطالب هو الوحيد المعزول عن الدعم والحماية في المجتمع، والذي يباح لنا قهره بما نشاء من وسائل من دون تردد أو تفكير.

وعودٌ إلى طابور الصباح، فهو عادة منقرضة في العالم الحر حولنا، وربما أقاموه مرة في الأسبوع، إذا كان هناك حدث يستحق إقامته كاحتفال أو تكريم أو ما شابه ذلك، ونراهم قد تعلموا النظام ووقفوا في طوابير في كل مكان يستدعي ذلك في الحياة.

ونراهم وطنيين أكثر منا، كما أن اكتشاف المواهب وتنميتها وإبرازها يتم عندهم بأفضل بكثير مما يتم عندنا. فإذن، كل الحجج التي يوردها مقدسو الطابور داحضة. هذا فضلا عن سلبيات الطابور الكثيرة، خاصة في جونا الحار، ولا أدري بأي قلب يتحمل بعض المديرين رؤية الصغار يبدؤون يومهم المدرسي بعد شويهم تحت شمس سبتمبر الحارقة كل صباح؟

ولا معنى لقولهم الساحات مظللة، فليست كل الساحات مظللة، هذا أولا، ثم إن الجو الحار يعم المكان في الظل وتحت الشمس. الوقت المضاع في هذا النشاط المكروه والممل من قبل الطلاب والمدرسين، أجدر بأن يقضيه الطلاب في اللعب، أو في تهيئة الذهن لاستقبال الدروس، عوضاً عن إرهاق الجسم والعقل، وتكدير النفوس، وجعل النهار من أوله هماً وغماً وكابوساً طال مكثه على الصدور.

ومن العجب العجاب، أنه لا يزال هناك من لا يكتفي بطابور الصباح، بل يقيم طابوراً للفسحة أيضاً، ولا أدري بأي لغة أتفاهم مع هؤلاء؟ ولا عزاء لأبنائنا الذين نظل نتفرج عليهم في هذه المعاناة، مصدقين أن للطابور قداسة يجب ألا تطولها الألسن والظنون!