ظللنا نحن العرب نترنح تحت ضربات أعدائنا دهراً طال أكثر من اللازم، من دون أن نفتح لضوء الحياة الجميلة أبوابنا ونوافذنا، طال ليلنا حتى ظنناه القاعدة وعكسه الاستثناء، بل ربما اتخذناه خلاً أبدياً نخاف من سواه ونرفضه أيا ما كان، لذا فإن رؤية طوفان الازدهار والأمل والحرية يخيفنا بقدر ما يسعدنا .

ويربكنا بقدر ما يوازن ذواتنا، ويدفعنا لمقاومته بقدر ما نتمنى الانخراط في أجوائه والسير في ركابه حتى النهاية، هكذا نفرك أعيننا ونحك آذاننا كثيراً عند سماع الأنباء السارة عن أي قطر من أقطارنا، ونسترجع ألف قصة وقصة مؤلمة تقدمنا فيها ميلاً لنتراجع أميالا، شيء واحد يجعلنا نقف على أرجلنا بثبات ونقول بكل ثقة: نعم لقد نجحنا وسائرون نحو الأفضل، وهذا الشيء هو الحق الواضح الذي يفهمه الجميع من دون لبس أو غموض أو إبهام.

هكذا كنت أحلل ما أراه وما أسمعه في كل مكان في تركيا أثناء زيارة قصيرة لها مؤخراً، كنت أبحث هناك عن خيط مهتز في أقوال الناس فلم أجد، تحدثت إلى امرأة أمية وإلى جامعيات وإلى رجل مسن وآخرين شباب ومثقفين وأنصاف مثقفين، كان الكل يتحدث بفخر عن أردوغان، وهم واثقون من خط سيره وقدرته على السير بالبلاد إلى مستقبل مزدهر وآمن.

أجمل الإجابات كانت من أحد المشتغلين بالشأن السياسي، سألته: كيف بدأ هذا الازدهار عندكم ؟ قال: عندما يكون الرأس نظيفاً يسلم البدن ويقوى، سألته ماذا تقصد ؟ أجاب: أقصد أن تفكير أردوغان نظيف للغاية، لذا نعمنا بالازدهار ونحن سائرون إلى المزيد، حسناً وكيف استطاع تنفيذ ذلك عملياً، متخطيا الصعاب؟

سألته ، قال : كان رئيس بلدية اسطنبول كما تعلمين، والخبرة التي يملكها في ذلك أهلته للكثير، لقد واجهته بعض الصعوبات ولكنه استطاع تخطيها خلال العامين الأوليين من حكمه بقوة السياسي وثقة المسلم، ثم انطلق بسرعة وثبات في طريق النماء والازدهار.

اثنان يتحدث عنهم الأتراك اليوم في كل مكان، محمد الفاتح وأردوغان، بينهما قرون، الأول أخذهم إلى أوروبا جغرافيا، يوم كان منطق القوة العسكرية هو السائد، متسلحاً بعزم لا يلين، والآخر يكاتفهم بأوروبا في وقت يسود فيه منطق القوة السياسية والاقتصادية المدعومة بالحنكة والذكاء.

في السوق والساحات الرئيسية حيث الزحام والحركة النشيطة، تلاحظ مؤشرات التغيير وهيبة الدولة والنظام، فسيارات الشرطة حاضرة في كل مكان، بينما سيارات التنظيف تواصل مهمتها ليل نهار، وحيث أعمال البناء والتوسيع والتجديد قائمة ضمن خطط طموحة لجعل اسطنبول المدينة الأولى عالميا بحلول 2023.

المرأة الريفية تتحدث عن سعادتها، بجهوده لإعادة الحقوق الدينية للمرأة والسماح لها بلبس الحجاب، سائق التاكسي يفتخر بزعيمه الذي امتلك الجرأة لمساجلة إسرائيل سياسيا، التاجر الكبير سعيدٌ بدخله المتنامي في ظل دولة قوية، تجار العقارات يعرضون شققاً سكنية فاخرة في مجمعات راقية والابتسامة الواثقة تملأ وجوههم، والبائع في الدكان الصغير يضع أثماناً لا تقل عن تلك التي في المتاجر الأوروبية واثقا من رواج بضاعته ووجود مشترين على الدوام، بينما الليرة التركية التي غادرت قاع تاريخها منذ زمن أيام كان على المرء حمل أكوام منها معه، ثابتة على مستوى قوي وتواصل الارتفاع.

وتمر بذهنك صور رجال أقوياء في الشرق الإسلامي، كمهاتير محمد مثلا وتتساءل: هل سنصحو من هذا الحلم على أزمة مدبرة أو سوء تدبير مدو؟ الأتراك لا يخافون، وقالها لي أحدهم : إن ذهب هو فسيأت غيره، الرجل أعطى نموذجا مختلفا نتمنى له النجاح فالأمل في دولة إسلامية عملاقة كتركيا يعني الأمل في كل مكان في هذا الشرق المنكوب منذ قرون.