صباحك هو أساس يومك ونجاحه، إن استقام وصلح صلح اليوم كله وان اعوج وخاب خاب اليوم كله، لذا فإن الفطرة السوية اقتضت بأن تبدأ أغلب الأعمال في الصباح، ولا أرأف لحال أحد رأفتي بمن فقد صباحه أو أضاعه، كحال بعض المتقاعدين الذين يرون أن الحياة قد انتهت بتقاعدهم وأنه بات عليهم ملازمة البيت والانتقال بين النوم والطعام ومشاهدة التلفاز.
وبعض ربات البيوت اللواتي يعتقدن أن صباحهن قد انتهى بمغادرة الأبناء إلى المدرسة، ليعدن إلى النوم، وبعض العاطلين عن العمل ممن يظنون أن العمل الوظيفي هو الحياة، وبدونه يصبح تسكعهم بين المقاهي والمطاعم حتى ساعات متأخرة من الليل تحصيل حاصل بالنسبة لهم، هؤلاء لا حياة لهم لأن لا صباح لهم، استوى عندهم الليل والنهار والنوم واليقظة والضوء والظلام.
أسوأ ما في الصباح أخصائيو النكد، الناذرون أنفسهم لتحويل حياة الناس إلى جحيم منذ الصباح الباكر، بعض المدراء ورؤساء الأقسام المتجهمين ، مشرفو المدارس الذين يستقبلون الطلاب بالأمر والنهي، الأمهات المتذمرات، والآباء المتأففون من صغارهم وصباحهم المزعج، ليتهم يعلمون ما لسلوكهم البغيض من أثر في تحطيم النفوس .
وتعطيل الإنتاج ونشر الكراهية، ليتهم يدربون أنفسهم على شيء من اللطف يصافحون به أعين الآخرين وآذانهم وقلوبهم في كل صباح، ومحق من بحث عمن اصطبح بوجهه في نهار اتسم بالضيق والنكد، ذلك أن أول ابتسامة وأول صباح الخير يتلقاها المرء في صباحه قد تصنع نهاره كله.
ونحن نراجع صفحات حياتنا بين فترة وأخرى، نجد أن الصباح يحتل مكانة بارزة في هذه الصفحات، نتذكر ركضنا إلى مدارسنا كل صباح، لعبنا في ساحة المدرسة قبل الجرس، وقوفنا في الطابور، نتذكر ذهابنا إلى أعمالنا وتحية الصباح التي تأتي بلون ليلتنا الماضية مشرقة أو متعبة بسيطة أو متكلفة، نتذكر وجوه الزملاء والمدراء والرؤساء، في الصباح الباكر، والحر يخنقنا أو البرد يرعد مفاصلنا، نتذكر صباحاتنا كأحد أهم الأوقات وأكثرها حضورا لدينا.
التحضير للصباح الجميل يبدأ منذ صلاة الفجر، ودخول المرء في قدسية أسرارها الإلهية التي تغمر النفس بالانشراح، وتكسو الوجه نوراً وجمالا، تدفق غاز الأوزون في تلك اللحظات إلى أنحاء الأرض أحد ما عرفه الإنسان من أسرار وقت هذه الصلاة، ووعد الله تعالى بحفظ من أدى هذه الصلاة اليوم كله هو من أعظم فوائدها.
ولا شك أن هناك الكثير مما لا نعلمه من أسرارها. أما التحضير الأوفى للصباح فيكون من الليلة السابقة لها، وذلك بالنوم الكافي في أجواء هادئة بعيداً عن إدمان الشاي والقهوة والشيشة والإلكترونيات، وبنفس صافية راضية لا تحمل من أكدار النهار وهموم الحياة معها شيئاً.
صباحاتنا تختلف من فصل إلى فصل ومن مدينة إلى مدينة، وفي جونا الصحراوي نضطر إلى نسيان الصباح لشهور طويلة في العام، ومع بدء انحسار الصيف عن سمائنا فإن استغلال كل لحظة من لحظاته هو ما يجب الحرص عليه، وحمدا لله فلا فاتورة ندفعها لقاء ذلك، ويحضرني حديث الشعراوي رحمه الله يوما حين قال: تأمل كم يصرف الله تعالى على الكون كل يوم؟ نعم لنتأمل ذلك ولنستفد من مجانية الهواء والضياء والبحر والصحاري، وننعم بذلك كله.
في ديننا الحنيف الكثير من الاهتمام بالصباح، ولا أدل من ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام : بورك لأمتي في بكورها. فهو حث على الجد والعمل والاستفادة من أجواء الصباح وطاقاته، وفي القرآن الكريم إشارات إلى هذه الآية الرائعة من آيات الله، ولا أعجب من قوله تعالى (والصبح إذا تنفس) آية حيرت العلماء في تفسيرها، وأربكت الشعراء في بيانها، وحفزت النفوس إلى استشعار جمال هذا الطقس الزماني اليومي البهيج.