ضد أولوية السياسة

ينشغل الثائرون باستحقاقات حريتهم، فتشتغل أجندات في تحجيم فورتهم، وبين هذا الانشغال وذاك الاشتغال، نغربل كثيرا من التعميات يخرج علينا بها إعلام يتفوق في ظل غياب سواه، مثل تلميذ يتألق لأنه الطالب الوحيد في الفصل الدراسي.

يكرر هذا الإعلام نكتة اعتاد أن يبتهج بها وكأنه يقولها لنفسه للمرة الأولى، وهي مطالبته للموتى أو الذين ينتظرون نحبهم بأخذ الدروس والعبر، متناسيا أن من يحتاج إلى الدروس والعبر هو من سيولد من رحم هذه الثورات.

وهكذا تبدأ الأمور.. ثائرون يخجلهم أن يعودوا إلى بيوتهم أحياء، وليس في عقولهم مخطط سوى أن يدفق دمهم فاتحا بابا للحرية.. أصحاب أجندات دمهم يتدفق بسلام في شرايينهم، متفرغون لتخطيط زوبعة أخلاقية وإنسانية لتسريع إنقاذ ضحايا نهشتهم أسنان الفتك والتقتيل والترهيب..

بعدها تتجيش العواطف لتتقبل جيوش النصرة التي لم تكن الأخلاق يوما محركها الأول، وإنما المصالح التي لا يصلح معها ضمير، وصولا إلى جلي الأدمغة، وليس فقط مسحها، وينتهي الأمر إلى مدعٍ بنصر يُقبّل العلم الأميركي على شاشة إحدى الفضائيات.

ويفضح الإعلام المتفاخر بشجاعة تسجيله، قصر المسافة بين الرصاصة ولحم الضحايا، واقع المعركة المؤلم. لكنه يخرس عندما يفضح الواقع ذاته طول المسافة بين الحرية والزيف. والحرية الحقة لا يمكن اختزالها فقط، وكما تحدها أجندات البعض، بديمقراطية اختيار السادة الجدد. فالحرية إن كان لا بد لها من تعريف، يجب أن يبدأ من امتلاك المرء لنفسه، امتلاكا يحيل حتما وأولا إلى الاستقلال والسيادة، وليس الخضوع والخنوع والتبعية، أيا كان شكل هذه التبعية.

والتحرر الحق من التبعية لا يكون بتغييرها من شكل إلى شكل، مثلما فعلت أنظمة بادت بعدما ألبست خنوعها ثوب الاستقلال الزائف، لتبيع سيادتها وسيادتنا بثمن بخس.

سقوط طرابلس المفاجئ بسرعته، ورغم أنه كان مفرحا لسقوط طاغية، إلا أنه كان مبكيا أيضا لمن ترك لعيونه الدموع، والبصيرة لقلبه على ما ينبئ عنه حالنا من ضعف لا يستقيم معه أن نحتفل بحريتنا، إلا إن كنا ممن يقنعهم ويفرحهم الكذب على أنفسهم.

 ما حدث في طرابلس، وقبله بكثير في بغداد ولم نتعلم منه الدروس، يكشف أن عدتنا وعتادنا لم تكن نية تجييشها لإرهاب عدو ولا لدفاع عن وطن، بل وتكشف في عقيدتها أنها ما تعسكرت إلا لحماية عروش وردع شعوب، وإلا ماذا نسمي من قاتل ضد شعبه من عسكر القذافي، ومن ينتظر كل هذا الوقت من العسكر السوري دون أن يدفع عن مقتلة شعبه، ويترك حججا للاستغاثة بعسكر تحالف لا ليغيث حملاً إلا ليفترسه.

لا حرية من دون استقلال، ولا استقلال من دون قوة، فالقوة شرط الحرية إذن، وكي لا ندخل في جدلية أن الحرية شرط لبناء القوة كذلك، فلنعترف أنهما لا يستويان إلا معا، وليس مستقلا حتى عن أبيه، من لم يشتد له ساعد يدفع به عن حريته.

وما دام ذلك كذلك فإن الدرس الأول للحرّ الحق، أن ثمة مؤسسات على الأهمية ذاتها، إن لم تكن أهم من مؤسسة السياسة ومفاتنها وفتنها، حتما هي بناء مؤسسة قوة عقيدتها الوطن، وليس الفرد الذي ينفرد أمن الوطن بمؤشر أمنه، مؤسسة قوة مستقلة في ذاتها، لأن من يعتاش على المعونات لا يمكن أن يذود عن استقلال أوطان.

وإذا كانت سرعة السقوط المفاجئ لأولئك العسكر الذين كانوا يحسبون لنا يوما، سببه ما نعيشه من عصر التحالفات التي تغزو من السماء لتهزم من على الأرض، دون أن يجرح لها جندي حتى في مشاعره، فإن درس حرية القوة الذي نحتاجه يصبح أعمق، ويتطلب أحرارا قادرين على القفز فوق كل الخلافات لتحقيق الوحدة، الأمر الذي يبدو بعيدا في ظل استمرار تقديس مؤسسة السياسة، بما تورثه من خلافات كأولوية تتقدم على جميع المؤسسات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات