بعد غد تحل الذكرى العاشرة لهجمات 11 سبتمبر عام 2001 على الولايات المتحدة الأميركية، ومنذ أيام قليلة مضت في أغسطس، حلت الذكرى العشرون لانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.

ولا شك أن هذين الحدثين حتى الآن، هما الأهم والأكبر تأثيراً على العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية. لكن ليس هذا فقط الرابط المشترك بينهما، بل هناك رابط أكثر أهمية بكثير، وربما يندهش الكثيرون إذا قلنا إنه «لولا انهيار الاتحاد السوفييتي ما كانت لتقع هجمات 11 سبتمبر».

 ولشرح ما نقول، ونرجو من القارئ العزيز أن ينحي جانبا ما يسمونه «نظرية المؤامرة»، هذه النظرية التي استهدف الترويج لها على مدى العقد المنصرم، مصادرة العقول وإغماء العيون عن حقائق ومعطيات تستحق التحليل والدراسة، وأيضاً تستحق التحقيق، وذلك قبل أن تصبح «تابوهات» محرمة محظورا الاقتراب منها، مثلما حدث مع «تابو» محرقة النازي لليهود المسماة بـ»الهولوكوست»، والتي أصبح التشكيك فيها جريمة يعاقب عليها بالسجن.

وأقصد هنا بالتحديد هجمات 11 سبتمبر، التي لم يجر فيها حتى الآن أي تحقيق في الولايات المتحدة أو خارجها، بينما لا يصدق الكثيرون في العالم مسؤولية التطرف الإسلامي، ولا ما يسمى «تنظيم القاعدة» عنها، ويذهب الكثيرون من المحللين والمراقبين والخبراء، وخاصة في الدول الكبيرة، إلى اتهام جهات أميركية خفية بالمسؤولية عنها، وفقا للقاعدة الجنائية الشهيرة «إذا أردت أن تعرف الجاني فابحث عن المستفيد من الجريمة».

لن نخوض في قضية السؤال حول الجاني في أحداث سبتمبر، فقد كُتب وسيُكتب فيها الكثير، وربما يُفهم رأينا في هذا السؤال من حديثنا حول انهيار الاتحاد السوفييتي، هذا الحدث الذي تعتقد الغالبية أنه انتصار لأميركا وأنها المستفيد الأكبر منه، وهذا غير صحيح بالمرة.

فالولايات المتحدة لم تكن لتصبح دولة عظمى ويمتد نفوذها في كل أنحاء العالم وتنتشر قواعدها العسكرية في معظم الدول، وتهيمن تماما على أوروبا قارة العمالقة السابقين، لولا وجود الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى مضادة ومهددة.

ولم يكن لحلف شمال الأطلسي، الذي تديره أميركا لحسابها الخاص منذ تأسيسه حتى الآن، أن يكون لولا وجود الاتحاد السوفييتي وقيادته للمعسكر الشرقي وحلف وارسو، ولم تكن لتجارة السلاح الأميركية أن تروج هذا الرواج وتفرض فرضا على أكثر من نصف دول العالم، وتحقق هذا الكم الخيالي من المليارات، لولا الترويج لوهم التهديد والزحف الأحمر الشيوعي.

لقد صنعت أميركا من الاتحاد السوفييتي فزاعة كبيرة تخيف بها العالم كله، حتى تفرض نفسها كشرطي عالمي يحمي ويهيمن في نفس الوقت، وعندما ذهب الاتحاد السوفييتي وانهار، واجهت أميركا معضلة تاريخية كبرى، وهي غياب الفزاعة وفقدان مبرر التوسع والهيمنة.

لقد بنت إمبراطوريتها على وهم عدو مصطنع، لم يكن مخيفا ولا مهددا بقدر ما كان عونا ونصيرا لشعوب العالم الثالث ولقضايا التحرر والنضال ضد الاستعمار، وكان على أميركا، التي استشعرت الخطر، أن تبحث وبسرعة عن عدو آخر كبير يخيف العالم كله.

ولم تجده بين الدول، فلجأت إلى اختراع وصناعة عدو جديد، وكانت أحداث 11 سبتمبر التي تم الترويج لها عالميا، بعد تصويرها بدقة متناهية وبكاميرات سينمائية كانت معدة «مسبقا» بزوايا محددة، في الساعة الثامنة صباحا في انتظار الطائرات التي ستأتي لمهاجمة البرجين في مانهاتن في نيويورك.

انطلقت الماكينة العسكرية الأميركية بعد 11 سبتمبر، وانطلقت معها الحملة الإعلامية العالمية لتروج للعدو الجديد المصطنع، وانطلقت معها شركات جلب المرتزقة لتصنع جيوشاً من الإرهابيين الوهميين، المستعدين للقتل والتدمير في أي مكان في العالم مقابل المال.

ويبقى السؤال؛ هل يضمن العدو المصطنع الجديد بقاء هيمنة إمبراطورية الشر الأميركية، أم ستضطر أميركا لصناعة عدو آخر أكثر واقعية وإقناعاً للآخرين؟