ضد العلمانية

مفارقة شديدة، هذا التذرع بمخاوف الإقصاء لممارسة الإقصاء. وهذه ممارسات الدنيويين التي تشتد مواكبة للثورات العربية، في محاولات إقصاء الدينيين.

ومن يرصد التاريخ القريب يقبض بسهولة على ممارسات إقصاء صوت الأغلبية في أكثر من بلد، تحولت معها العلمانية إلى مشروع إقصاء، إن لم تكن كذلك منذ نشأتها، فهي نشأت في الأصل لإقصاء الديني.

إجهاض الانتخابات الجزائرية 1991.. التضييق على حركة حماس إثر فوزها بالانتخابات، إقصاء حزب الفضيلة التركي، والإقصاء الذي ما زال يمارس على تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، برفض ضمها في ظل حكم الإسلاميين إلى الاتحاد الأوروبي.. أمثلة هناك الكثير غيرها يؤكد تكميم صوت الأغلبية، تحت ذرائع الليبرالية والعلمانية والديمقراطية، هذه المفاهيم التي تتطور بين ليلة وضحاها وفق مقاسات بعض الدول، لتسهل معها مصادرة صوت أغلبية اتضح في أكثر من حالة أنها ما زالت تحافظ على ثقافتها الإسلامية.

ممارسات تأتي في ظل ما تدعيه العلمانية لنفسها من أنها الفكر الوحيد القادر على موازنة مصالح الجميع، وبوتقة جمع الثقافات وحماية وجود وحقوق الأقليات، والمنهج الوحيد لتحقيق التنمية وتطوير العلوم.

ادعاءات لا نعرف معها ماذا نسمي حملات الغرب العلماني ضد الحجاب ورفع الآذان أو إعلاء المآذن! على النقيض من الأديان التي سمحت بممارسة الآخرين لشعائرهم بأريحية كاملة. مصائب العلمانية منذ نشأتها لم تتوقف عند إقصاء الديني فقط، ورغم دنيويتها إلا أن آثارها التدميرية على الدنيوي فاقت ذلك بكثير. فالعلمانية منذ نشأتها تبنت العلم والتقنية المنفصلين تماماً عن القيمة، ومن جهة جاء كل تطور في خدمة المؤسسة العسكرية، وكان في غالبيته مدمراً للإنسانية.

وخصصت معظم الميزانيات للمؤسسة العسكرية وحرمت منها البحوث في المجالات الأخرى، وما نراه اليوم من إيجابيات التقنية بين يدي الإنسانية، ما هو إلا من القليل الذي منّت به المؤسسة العسكرية على المجتمعات المدنية. وتفوق الغرب علمياً جاء من خلال حرمان الشعوب الأخرى، ووضع العقبات أمام مساهمتها في هذا التطوير، ولولا هذه العقبات لحظيت الإنسانية الآن بتطور علمي يفوق ما قدمه الغرب بأضعاف، في وقت كانت الأديان جميعها ترى أن العلوم وتشجيعها ومشاركتها حق للإنسانية جمعاء.

والحقيقة العلمية ذاتها واجهت محناً كبيرة نتيجة غياب القيمة، وكان آخرها ما رأيناه من بيع للحقيقة العلمية للشركات الكبرى (الحقائق حول الأمراض وعلاقتها بشركات الأدوية على سبيل المثال لا الحصر)، والوثائق التي ظهرت مؤخراً لتكشف عن كذب علمي في قضايا المناخ الكبرى. أما الأزمة الاقتصادية، فهي النتيجة التدميرية الأقرب إلى كل ذهن، بسبب ما ينذر به الفكر الاقتصادي القائم على الاحتكارات والربا والمضاربات والمضاعفات الوهمية للأموال، من كارثة إنسانية.

ومقابل هذا الفشل، نجد المدافعين عن العلمانية من العرب يتلوون معها من مسمى إلى آخر، في مراوغة تصفها بالتطور، رغم تمسكها في كل مراحلها بإقصاء القيمة، دون الاعتراف بأن العالم بات بحاجة إلى فكر جديد يقدم الحرية الحقيقية للإنسانية.

وآخر ما كان من ذلك، مأخذ أدونيس على خروج السوريين من «الجوامع».. ومع احترامنا لأدونيس شاعراً، واختلافنا معه في تنكره للثقافة الإسلامية، نرحب بفكرة الحذر التي صدرت عنه، وهو حذر واجب، ولكن في الاتجاه الآخر، من أن تنتهي الأمور في أيدي العلمانيين الذين ما زالوا يحامون عن مذاهب واكبها الاستعمار، وتطورت فقط لتغير هذا الاستعمار من شكل إلى شكل. والمخاوف أن تؤول الأمور الآن إلى طور جديد من استعمارنا، وربما تطويعنا الكامل بعد أن نتنكر لأنفسنا وثقافتنا.

لحظات تاريخية لا تقبل التزييف، كفيلة بأن تستعيد القوى المدافعة عن الظلام بصيرتها. وإذا كانت النوايا صادقة، عليها أن تخلي الساحة ليسطع النور، بعيداً عن حتمية الإقصاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات