كثافة الأعمال التلفزيونية المعروضة في رمضان على قنواتنا الخليجية، ساعدت المشاهدين على التعرف على ملامح الدراما الخاصة بكل قطر جيداً، كما أتاحت لهم خيارات واسعة في المشاهدة، والملاحظ من خلال الانتقادات والتعليقات المنتشرة في الصحافة وعلى الانترنت أن الأعمال الجادة الحقيقية قليلة جدا في هذه القنوات، ليظل البحث عن الأسباب التي تجعل عملا ما ينجح على مدى سنوات وآخر يتعثر ويتراجع إلى الوراء عاما إثر عام.
وضوح الرسالة فضلا عن وجودها طبعا هي أهم نقطة في أي عمل يقدم للناس، عندما تكون الرسالة مجرد إثبات وجود للمخرج أو المنتج أو الممثل، فإن المشاهد وإن تغاضى عن سوئها وفجاجتها منبهراً بما يحيط بها من بهرج وخفة دم في البداية، إلا أنه لا يلبث أن ينصرف عن عمل لم يوجد إلا لتمجيد أشخاص وتلميع أسماء ليس أكثر.
ضحالة الثقافة سبب آخر لفشل الأعمال التي تقدم، فأنت تخاطب جمهورا متعدد الأطياف، وتنطلق من مجتمع له ثوابته وتطلعاته وإيجابياته وسلبياته، كما أن له خصوصيته وتطلعاته، كل هذا لا يستطيع إدراكه في لحظة كتابة العمل أو إنتاجه شخص محدود الثقافة أو ضيق الأفق. ونعلم بأن هناك رقابة على الأعمال ولكن ذلك لا يغني عن قيام القائمين على العمل بتعزيز عملهم بشخصيات ثقافية واجتماعية ودينية ولغوية، تقوم بدور المصحح أو الموجه أو المستشار، ليخرج العمل متوازنا غنيا، ويفترض أن يتعرض العمل للنقد الذاتي جيدا قبل عرضه، ولست أدري كيف يتم ذلك في بعض الأعمال التي يستكمل تصويرها على عجالة في رمضان؟
كثير من الأعمال تبدو جوفاء مهلهلة، لا تختلف مشاهدتها عن مشاهدة حلقات سخيفة من الكاميرا الخفية، وجل ما تصبو إليه الإضحاك وليس الكوميديا الجادة، وقليلة تلك التي تخرج منها بقيمة واضحة بعيداً عن مجرد الضحك على ألوان البشر وأشكالهم، والتي تستطيع بعد سنوات من مشاهدتها أن تقول أشاهد هذا العمل كل عام مع أبنائي واستفدت منه كذا وكذا، فالعمل الجاد يزرع قيماً رفيعة واضحة في النفس. تمتع القائمين على العمل بالموهبة الحقيقية شرط رئيسي للنجاح ولا شك.
ولكن وجود الموهبة لدى شخص ما في مرحلة معينة لا يعني ضمان بقائها بنفس القوة والتوهج حتى النهاية، وأعجب من ممثلين يكررون أنفسهم على مدى سنوات على الرغم من انحدار مستواهم بشكل ملحوظ، لا يعيب الممثل قلة أعماله أو حتى توقفه نهائياً، ولكن سوء أدائه المتكرر هو المعيب مهما كان حجم أعماله ومساحتها. وبالمقابل علينا أن نصفق بحرارة لأولئك المتوهجين فنا وموهبة والذين لا تخطئهم عيوننا و أذواقنا.
مغامرة بعض الفنانين بمكانتهم الفنية مقابل الشهرة وتأكيد الحضور يقابلها سلبية كثير من المشاهدين وتقبلهم للاستغفال في مواجهة أعمالهم الضعيفة، وكثيرا ما يبرر الفنان موقفه بعبارة : الجمهور عايز كده، بينما يردد المشاهد عبارة : المهم أن نضحك، لتستمر الشراكة الخاطئة بينهما إلى ما يشاء الله.
وعلى الرغم من قلة الأعمال الخليجية الجادة والجيدة، إلا أنها صارت معروفة واستطاعت تأكيد اسمها ومكانتها على الخارطة الفنية، وعلى الجمهور دعمها ومساندتها ليس بالمشاهدة فقط، ولكن بالنقد البناء أيضاً، ففي ذلك ضمان قوتها واستمرارها، ثم إن هذه الأعمال من المجتمع وإليه، ويوما بعد يوم تدخل ضمن تراثه وثقافته وتؤثر تأثيراً عميقاً في بناء إنسانه، ومن حق هذا الإنسان أن يكون له دور وكلمة في كل ذلك، ومقابلات العيد التلفزيونية مع الفنانين والكتاب والمخرجين لا تكفي لعرض الآراء ودراستها واستخلاص النتائج منها، بل لا بد من بذل جهد أكبر في سبيل ذلك.