ضد الشاعر.. ضد الشارع

أصواتٌ غير مقنع سوى أنها مغرضة، تجهد أن تكرس لصورة مثقف تخاذل عن ثورة شعبه، وتغادر أقوالها مجتزأة دون أن تفصل المحمود عن المذموم، وتكتفي بالحالة لتعمم ظاهرة.

«دجاجات سعدي يوسف»، وغيرها من حيوانات داجنة وقوائم عار، حالات لا يعتد بها أمام قائمة الشرف الطويلة جدا للمثقف العربي.

أما أن يقال إن الثورات سبقت المثقف وتجاوزته، بل محاولات صنع صورة نمطية بأن الصدمة شلت حراكه، فهي محاولات مشبوهة تكرس لفصل المثقف عن شارعه، وإذا اكتفت فنتزات سعدي بالسخرية، فإن هذه المحاولات تتجاوز إلى الفعل لتوفر حاضنة دافئة حتى يفقس البيض ويتكاثر الدجاج.

المقولة معكوسة كانت سمة عقود مضت انفصل فيها الحراك الشعبي عن مثقفيه، وقت كان الشعراء يعبرون عن خيبات أمل في أن يستجيب الناس لدعواتهم، حتى كفروا بجدوى الكلمة ولاذوا بالصمت. الصمت المرّ الذي أوجع أدونيس في قصيدة الوقت 1982: «.. ومراراً قلت للشعر الذي يرسب في ذاكرتي.. أي منشار على عنقي يملي.. آية الصمت؟ لمن أروي رمادي؟.. وأنا أجهل أن أنتزع النبض وأرميه على طاولة.. وأنا أرفض أن أجعل من حزني طبلا للسماء».

 ويوازيه درويش وجعا في قصيدة بيروت التي كتبها في الظرف ذاته: «نطلب الإيقاع من حجر فلا يأتي»، و«لم أجد جدوى من الكلمات إلا رغبة الكلمات في تغيير صاحبها».

أن ينسب سعدي حدثا كبيرا يشارك فيه الصغير والكبير، والمثقف والأمي، من ينتمي منهم إلى طيف ومن لا ينتمي إلا لنفسه، إلى «أمر صدرَ من دائرة أميركيّة»، أمر جللٌ شره ما يحيل إليه من جرح نرجسي يملأ هويتنا الجمعية، وأنه يعتبر كل من يتحرك وما يتحرك هنا، مشلولاً لا يبعث فيه الحياة إلا «ريموت كونترول» تضغط عليه أيادٍ هناك.

من أراد أن يبقى عبدا فلا أحد يحرمه مما يرى من نعمته، ولكن لا يحق لأحد أن يسخر من نهوض عبد طلباً لحريته في أي وقت وأي ظرف كان، وهذا ما أقرّه درويش منذ زمن في رائعته تلك: «ماذا نودّع غير هذا السجن؟.. ماذا يخسر السجناء؟.. نمشي نحو أغنية بعيدة.. نمشي إلى الحرية الأولى.. فنلمس فتنة الدنيا لأول مرة في العمر».

الأدهى أن نتحول نحن إلى جلادين لفم العقل عندما يدفعه حذره أن يسأل؛ إلى أين؟.. تساؤل بحجم الدم الذي يسيل الآن ثمنا لما يحدث.. وتساؤل ليس على مطلب الحرية الذي لا يختلف عليه عبدان، ولكن الخلافات تبرز كلما ابتعدنا في التفاصيل، وقد يرى كلٌ في نفسه الصواب حدّ قتل الآخر أو نفيه، وهناك قطاع طرق لسرقة الرقيق في الطريق إلى حريتهم، وهناك من يبيع حتى نفسه الضعيفة لقاء ثمن يغريها.

بل يصبح السؤال أكثر إلحاحا عندما تغدو أعضاء الجسد الواحد غابات قتال، تشبيه يؤكد فيه أدونيس أن ما يمكن أن يحدث أكبر من كونه خلافا بين أشخاص وأفكار وملل: «أَأَنا مُفْتَرقٌ.. وطريقي لم تعدْ، في لحظةِ الكشفِ، طريقي؟»، «أأنا أكثر من شخص وكلُ.. يسأل الآخر: من أنت؟ ومن أين؟.. أأعضائي غابات قتال..».

أدونيس الذي نختلف معه الآن كل الاختلاف، رأياً لا سيفاً، نشكره على الحذر، ونلفت بصيرته إلى أنه لا اختلاف ولا نقاش يسبقان الحرية.

ضد الشاعر إذا صدر عن نقص يخرجه في ثوب السخرية والاستعلاء، ليخفي وراءه عجزه عن القيام بما وجب القيام به. وضد الشارع إذا كان لا يفرق بين المثقف والمخمور، ويريد أن يتنكر لمثقفه وينفصل عنه ليسير على غير هدى، ويحرر رقبته من قيصر ليعلي فوقها قيصرا جديدا.

علينا، شارعا وشاعرا، أن نكون على يقظة تليق بأن نغني مع درويش في النهاية: بوركت الحياة.. وبورك الأحياء..

فوق الأرض.. لا تحت الطغاة

تحيا الحياة! تحيا الحياة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات