مشهد محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك وهو على سرير المرض داخل قفص الاتهام، سيسجل كواحد من أهم المشاهد في تاريخ مصر الممتد لآلاف السنين، وسيكون لهذا المشهد آثاره الجذرية على سيكولوجية الشخصية المصرية، هذه الشخصية التي صورها المؤرخون في كتاباتهم على أنها جبلت منذ فجر التاريخ، على التعامل مع الحاكم على أنه إله أو نصف إله.

هذه الشخصية التي اتهمها الكثيرون بأنها هي التي أوجدت ظاهرة "عبادة الحاكم"، لدرجة أن مصطلح "فرعون" أصبح يطلق على أي حاكم مستبد وديكتاتور في العديد من بلدان العالم. وقد برر المؤرخون هذا التكوين في الشخصية المصرية بمبررات كثيرة، منها العقيدة الدينية التي بدأت منذ فجر التاريخ في مصر بعبادة الإله الحاكم.

وتطورت لعبادة الحاكم الإله، إلى أن تحول الحاكم في مصر الحديثة إلى إنسان سوبر وغير عادي، يستطيع وحده أن ينقذ الشعب ويرعاه، ولا يستطيع الشعب العيش بدونه، وبات الشعب على استعداد لأن يفدي الحاكم بـ"الروح والدم"، وهو الشعار الذي ابتدعه الشعب المصري ونقلته عنه شعوب أخرى مجاورة.

لقد حكم مصر على مر الزمان المئات من الحكام، منهم الطالح والفاسد والخائن والحرامي، ومنهم الصالح والعادل والوطني، لكنهم جميعا، وبلا استثناء، تشابهوا في تعامل عامة الشعب معهم واحترامه الشديد لهم إلى درجة التقديس. وهذه الظاهرة الغريبة كانت لدى شعوب أخرى.

ولكن لفترات محدودة ومتقطعة، أما في مصر فلم تنقطع، وتواصلت على مر التاريخ. ولم يتنبه الشعب المصري لهذه الظاهرة الخطيرة، على الرغم من أنه حظي في تاريخه بحكام إلى حد ما كانوا عادلين ووطنيين وحتى متواضعين، لكن الشعب نفسه لم يقبل تواضعهم، ولم يتعامل معهم كبشر عاديين، وصمم على تقديسهم، وصنع بنفسه التبريرات لأخطائهم الجسيمة.. إنها عقدة تركيبة الشخصية المصرية، التي عشقت منذ فجر التاريخ "تقديس الحاكم".

مبارك الحاكم المستبد الذي حكم ثلاثة عقود وأعد العدة لتوريث الحكم لابنه، ضاربا عرض الحائط بمعارضة التوريث، كان قد وصل إلى حد الاستخفاف بالشعب، وكان على ثقة من أن الشعب سيطيعه، وكان الجميع في الداخل والخارج على يقين من أن الابن سيرث أباه في الحكم، وحتى المعارضة السياسية في مصر التي عارضت التوريث.

كانت على وشك قبول الأمر الواقع، وحتى ثورة 25 يناير لم تنطلق في بدايتها لعزل الحاكم أو رفض التوريث، بل كانت تطالب فقط بالإصلاحات، لكن هروب الرئيس التونسي "بن علي" زاد من حماس الثوار وأيقظ الشعب المصري من سباته، فصمم على إسقاط الحاكم. مشهد الرئيس المخلوع مبارك على السرير في قفص الاتهام، كسر قاعدة الفرعون لأول مرة في تاريخ مصر.

فقد جاءت المحاكمة العلنية لمبارك بأمر من جماهير الشعب، وضد إرادة المجلس العسكري وحكومة تسيير الأعمال، الذين كانوا يرون في المحاكمة العلنية إجراء صعبا للغاية، ويحتاج لإجراءات تنظيمية وأمنية فوق طاقتهم في ظل الظروف الحالية. لكن ضغط الشعب وغضبه كان أقوى بكثير، ووصل لدرجة الشكوك والتخوين للمجلس العسكري، الأمر الذي دفع المجلس لإثبات براءته والدفاع عن موقفه، ليس فقط بعلانية المحكمة، بل أيضا بإجبار مبارك على الحضور للمحكمة رغم ظروف مرضه.

ها هو الشعب المصري لأول مرة في تاريخه يذل الحاكم ويصبح هو صاحب القرار، ولا تستطيع أية سلطة أن تفرض عليه قرارها، بل يخضع له الجميع، وها هو الفرعون يحاكم ولا يشفع له مرضه ولا تاريخه المزعوم. لقد انفكت عقدة الفرعون، وشفي منها الشعب المصري للأبد، وسوف يحفر مشهد محاكمة مبارك في وعي وذاكرة الشعب المصري إلى الأبد، ولن يحكم مصر بعد هذا المشهد فرعون آخر، مهما كانت شخصيته وكاريزمته وقوته.

دelmoghazy@hotmail.com