ثورة 25 يناير في مصر قدمت وما زالت تقدم إبداعات كثيرة، أصبحت علامات مميزة تستخدمها الثورات الأخرى، سواء في سلوك الثوار أو شعاراتهم أو أساليب تنظيمهم للمظاهرات والتجمعات في الميادين.

ومن هذه الإبداعات الهامة ما أطلق عليه "قوائم العار"، هذه القوائم التي جمعت شخصيات من نجوم المجتمع، في مختلف المجالات الفنية والثقافية والرياضية والسياسية وغيرها، ممن هاجموا الثورة قبل لحظة تنحية الرئيس مبارك، ونعتوها ونعتوا الثوار بألفاظ نابية وغير أخلاقية، هؤلاء لا شك كانت صدمتهم كبيرة للغاية عندما سمعوا نبأ تنحية الرئيس وانهيار النظام، لقد كانوا مؤمنين بهذا النظام المعمر وقوته وقدرته على الصمود وردع الجماهير، ولا شك أن هناك مثلهم الكثيرين، ليس فقط من أفراد الشعب العاديين.

ولكن أيضا من النجوم والنخبة. وأعتقد أنه لو أطال القدر في عمر نظام مبارك، ولو لأيام أخرى قليلة، لاحتوت قوائم العار هذه على المزيد من الأسماء والشخصيات العامة، من النخبة ممن حالفهم الحظ ولم يبادروا بمهاجمة الثورة والثوار قبل انهيار النظام، ومنهم، للأسف الشديد، كثيرون نراهم الآن في الواجهة وعلى المنصات في الميادين.

وعلى شاشات الفضائيات وصفحات الإعلام، يشيدون بالثورة وإنجازاتها العظيمة، ويسعون لوضع أنفسهم في الصدارة، ومنهم من تقدم للترشح للرئاسة، في حين أن بعضهم قبل تنحية مبارك كان على وشك مهاجمة الثورة والثوار، وبعضهم بالفعل عبر عن عدائه للثورة وتأييده لنظام مبارك، لكنه تدارك الموقف في آخر لحظة وركب قطار الثورة.

من البديهي أن لكل ثورة أعداءها والرافضين لها والمختلفين معها، ولا يمكن أن نضع هؤلاء جميعا في قوائم العار، لكن الملاحظ أن هذه القوائم ضمت أشهر النجوم، في الفنون والثقافة والرياضة وغيرها، وهؤلاء النجوم لهم تاريخهم المسجل بالفعل ولا يمكن محوه، وما ارتكبوه من خطأ في حق الثورة إنما يرجع لعوامل أخرى بعيدة عن نجوميتهم، ومنها عدم الوعي السياسي وتراجع مستوى الثقافة الذي تعاني منه غالبية نجوم المجتمع عندنا.

وخاصة الفنانين ونجوم الرياضة. كما أن هناك عاملا أساسيا وهاما، وهو أن نظام مبارك عديم الإنجازات والمبادئ والوطنية، اعتاد على مدى ثلاثة عقود، على هؤلاء النجوم في صناعة جماهيريته وكسب ود الشعب، وكان يسخرهم لتحويل الهزائم والانتكاسات إلى إنجازات وانتصارات وهمية.

كما أن هؤلاء النجوم، رغم شعبيتهم الواسعة، كانوا شبه منفصلين عن واقع وحياة الشعب المصري، بعد أن ارتفعت أجورهم للملايين وزادت ثرواتهم بشكل مبالغ فيه، بدرجة قربتهم بشكل ملحوظ من دوائر الفساد في النظام الحاكم، وباتوا يتمتعون بامتيازات خاصة في سداد الضرائب وفي العلاج على نفقة الدولة في الخارج، وبات الكثير منهم يملك البيزنس الخاص به والمدعوم من النظام الفاسد.

وفي الحقيقة إنني لا أؤيد استمرار ظاهرة قوائم العار والمبالغة في التمسك بها، وهذا ليس تعاطفا مني مع هؤلاء النجوم الذين ضمتهم القوائم، بل لأنني أرفض أساليب التصنيف والتمييز بين أفراد الشعب، خاصة بعد نجاح الثورة، وكنت أفضل على ذلك أسلوب المحاسبة العلنية لهؤلاء، وأن يأتوا أمام الجماهير ويعترفوا بالأخطاء التي ارتكبوها في حق الثورة والثوار، وأعتقد أنهم جميعا نادمون على ما فعلوه ومستعدون للاعتراف بخطئهم، وبعضهم فعل ذلك، وهذا أفضل بكثير للثورة نفسها، باعتبارها ثورة شعب بأكمله سيضعها التاريخ في أنصع وأكبر صفحاته.

ويكفي قوائم العار أنها أعطت درسا هاما للغاية لن ينساه أحد من نجوم المجتمع المصري بعد الآن، فقد علمتهم أن الشعب دائما على حق، وأنه هو الذي يمنح النجومية، وهو الذي يستطيع أن يسحبها وقتما يشاء، كما علمتهم خطورة الاقتراب من الأنظمة الحاكمة ومنافقتها. وكم أتمنى من نجوم مصر أن يثقفوا أنفسهم وينموا وعيهم السياسي، وأن يقتربوا أكثر من جماهير الشعب الذي يدعون أنهم يعبرون عن قضاياه.