«تسليع» الإنسان

عارضون، رجالا ونساء، ذوو قسامة ووسامة في نوافذ زجاجية لمتجر في إيطاليا، يتقاضون ثمنا لاستخدام أجسادهم في سبيل الترويج للسراويل القصيرة والبكيني.. واقعة لم تكن وكالات الأنباء لتسجلها الأسبوع الماضي، لولا الضجة الذي أثارها على إثرها اتحاد نقابات العمال الإيطالي.

نقابات العمال انتقدت «استخدام جسد الإنسان كسلعة»، ووصفت العمل بأنه مهين، وإن كان صوت النقابات واجبا لا يجبُّ عن غيرها عذر السكوت ولا شبهة الرضى، إلا أن نشر الحدث جاء في صورة توحي بأن تسليع جسد الإنسان، أمر طارئ على عقلية المجتمع الغربي، ومستحدث مستنكر.

العارضون لم يختفوا إلا لفترة وجيزة بعد الاحتجاج، وعادوا وهم يحملون لافتات كُتب عليها «عرض الأزياء هو أيضا مهنة».

ولا يقف الأمر عند لافتات تفضح عقلية تتخفى وراء انتحال صفة المتفاخر بحماية حق الإنسان وحفظ كرامته وإنسانيته، والمسارعة إلى جلد الآخر بتهم انتهاك القيم والمتاجرة بالإنسان.

فضح هذه العقلية جاء منذ وقت طويل من داخل الغرب نفسه، ومن أبرز رواده، وهو رائد السيميولوجيا الفرنسي رولان بارت، في كتابه «ميثولوجيات» الذي أفرد فيه أبوابا ليستنطق الإشهار، ويفضح من خلاله أساطير الزيف التي أطّر الغرب بها عقليته وأعطى صورة مغايرة عنها.

ما يحدث في استعراض الإشهارات، وحتى عروض الأجساد «سترب تيز»، وفق «ميثولوجيات»، ليس مجرد إغواء لمحاسن فتانة وقدود ممشوقة، فالأمر أكثر تأثيرا وتدميرا عندما يمتد إلى تمثلات ثقافية تتكرس في المجتمع.

قد يشير «ميثولوجيات» إلى ثقافة مجتمعية للفترة التي كتب فيها، وهي منتصف القرن العشرين، ولكن ما وصلت إليه وسائل الغرب اليوم من تضليل، يفوق ذلك بكثير. ما يحدث اليوم من تضليل، يأتي في ظل اتفاقيات دولية لحقوق الإنسان ومكافحة الاتجار بالبشر، وتمكين المرأة من حقوقها، وغيرها الكثير من الحقوق التي يفاخر الغرب بأنه حاميها.

هذا في وقت نجد فيه أن الغرب الذي حمل معه أينما ذهب ثقافة الجسد، هو الذي كرس التعامل مع جسد الإنسان كسلعة، وعلى وجه الخصوص جسد المرأة، بدءا من عروض الأزياء وعروض «ستريب تيز»، والقنوات الفضائية الزرقاء، والإعلانات، والفيديو كليب، وحتى الرياضات، التي أصبح لكل صاحب جسد فيها ثمن لجسده، حسب تفوقه قوة أو جمالا أو انسجاما مع الاستعراض المطلوب.

الشريعة الدولية يقررها الغرب القوي بأدواته، ليس وفق قيم ولكن تبعا لمصالح، ويصنف ممارسة على أنها تجارة جسد محرمة، وممارسة أخرى على أنها مهنة مشروعة. أما الشريعة الإنسانية فتبقى إنسانية، وليس للقوي أن يقررها، غير أنه يجيش كل أدواته لنشر ثقافة «تسليع» الإنسان وجسده، وتسهيل تمثل هذه الثقافة في مجتمعاته ومجتمعاتنا.

والأمر لا يتوقف عند «تسليع» جسد العارض، وإنما يمتد تأثيرا إلى المتلقي، إذ تقوم هذه الأساليب بتحويل الجسد عبر الإشهارات إلى جسر عبور إلى غرائزه، ولا تقوم هذه الأساليب بتقديم خطاب حقيقي حول جودة وصفات المنتج واحتياجات المستهلك له، وإنما تقدم خطابا مضللا يخلق احتياجات وهمية، ويطبع العصر بسمة الوهم.

عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار، هو الآخر أكد أن الإشهارات التجاريّة تقوم على أسطرة الواقع وتعميم الوهم. بودريار نفسه، هو الذي استنكر استغلال الجسد في الإشهارات وفي مختلف الوسائل، وخصوصا جسد المرأة.. ومفهوم الإغواء بالضرورة يحيل إلى الشيطان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات